حاسة السمع

أحد, 01/12/2019 - 16:48

السمع
-----------------------
الخطبة الأولى
قال تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا [الإسراء:36].
نوافذ الاستقبال والعلم والتأمل والتدبر والرؤية السمع والبصر والفؤاد، والعبد مسؤول عن أعمالها فيما يحبه الله ويرضاه يقول ابن عباس : يسأل الله العباد فيما استعملوا هذه الثلاثة السمع والبصر والفؤاد.
فما السمع؟ وما أنواعه؟ وما موقف المسلم منه؟
أما السمع: آلة سبحان مبدعها وخالقها، فهي القدرة على التقاط الأصوات بواسطة الأذن، والسمع نوعان:
خلقي: وهو ميسر لكل صاحب آلة.
وسمع فهم وتدبر: وهذا وقف على أصحاب الصلات القوية مع الله تعالى.
وقد أنزل الله تعالى المعطلين لأسماعهم عن سماع الحق منزلة الذي لا سمع له قال تعالى حكاية عن أهل النار: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [تبارك:10]. ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون ولهم آذان لا يسمعون بها [الأعراف:179].
وإذا أفسد العبد إيمانه بالكفر فسد عليه سمعه فهو يتقزز وينفر من ذكر الله والطاعة ويأنس لكل باطل ولغو قال تعالى: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون [الزمر:45] من أغنية عاهرة أو لغو.
والسمع أفضل من البصر: يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: من عدم السمع عدم المواعظ والنصائح وانسدت عليه أبواب العلوم وانفتحت عليه أبواب الشهوات التي يراها بعينه. ولهذا لم يكن في الصحابة أطرش وكان منهم جماعة عميان وقلّ أن يبتلي الله أولياءه بالطرش ويبتلي كثيرا منهم بالعمى(1)[1]).
أنواعه: وأعظم السمع سمع الحق جل وعلا وهو سمع يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تعطيل يقول علماء العقيدة: (كل ما خطر ببالك فهو على خلاف ذلك) قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى:11]. ومن سمعه جل وعلا: سماعه سبحانه للقرآن وقارئه: ((لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته))(2)[2]).
سماعه سبحانه للشكوى: خولة بنت ثعلبة: تقول عائشة رضي الله عنها: ((تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله وهي تقول: يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني (أي قال: لها أنت علي كظهر أمي) قال رسول الله (ما أعلمك إلا قد حرمت عليه) وكان الظهار يعد طلاقا فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وبصبيتي. فأنزل الله تعالى قوله: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير [المجادلة:1]. ثم قال : مريه فليعتق رقبة، فقالت: والله ما عنده ما يعتقه، فقال: مريه فليصم شهرين متتابعين قالت: والله إنه لشيخ كبير ما به صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، فقالت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده، فقال : فإنا سنعينه بفرق من تمر، فقالت: وأنا سأعينه بفرق آخر فقال : قد أصبت وأحسنت فاذهبي وتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا، فقالت: ففعلت))(3)[3]).
سماعه للدعاء: رفع الأصحاب أصواتهم بالدعاء عندما اقتربوا من المدينة فقال : ((إن الذي تدعون ليس بأصم ولا غائب إن الذي تدعون سميعا بصيرا وهو أقرب إليكم من أعناق ركابكم))(4)[4]). قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [البقرة:186].
سماع: وهو سماع كريم في كل أحواله:
أ- عند مولده: من السنة أن يؤذن في أذن المولود اليمين ويقيم في الأذن اليسرى ليكون أول ما يطرق سمعه اسم الله تعالى، للحديث: ((من ولد له ولد فأذن في أذنه اليمنى وأقام الصلاة في اليسرى لم تضره أم الصبيان))(5)[5]). وهي القرينة.
ب- سماعه القرآن: قال تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون [الأعراف:204]. وللحديث: ((من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة))(6)[6]).
ج- والعمل به وهي طبيعة التلقي للتنفيذ يقول ابن مسعود : إذا سمعت "يا أيها الذين آمنوا" فأرعها أذنيك فإما هو خير تؤمر به أو شر تنهى عنه.
د- سماع الإمام إذا خطب يوم الجمعة للحديث: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له: أنصت لا جمعة له))(7)[7])، قال الشافعي: لو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لأن التشميت سنة، ولو سلم رجل على رجل كرهت ذلك ورأيت أن يرد عليه لأن السلام سنة ورده فرض(8)[8]). وكذا الصلاة على رسول الله للأمر الرباني: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56].
سماع آثم: وهو على صور شتى منها:
أ- سماع الغيبة: للحديث: ((المغتاب والمستمع شريكان))(9)[9]). وعلى المسلم أن يرد عن عرض أخيه للحديث: ((من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة))(10)[10]).
ب- التجسس بقصد إيقاع الضرر بمسلم بسبب إسلامه للحديث: ((لا يدخل الجنة نمام))(11)[11]). ((من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه يائس من رحمة الله))(12)[12])، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الروح: أن رجلا دفن أختا له، فلما ولى أدرك أنه قد سقطت حافظة نقوده في القبر عند الدفن فعاد فلما نبش القبر وجد أخته وقد أحاطت بها النار من كل جانب فأهال التراب وعاد مصعوقا إلى أمه يسألها عما كانت تعمل أخته من سوء فقالت: إنها كانت تصلي من غير وضوء وكانت تتسمع إلى الجيران وتنقل أخبارهم.
ج- سماع الشائعة وترديدها للحديث: ((كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع))(13)[13])، وعندما تحدث رأس المنافقين في عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك وجاءت براءتها من فوق سبع سماوات جاء التأديب من الله تعالى للمؤمنين في أدب سماع الشائعة قال تعالى: ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم [النور:16]. ورأس المنافقين هو عبد الله بن أبي بن سلول.
وما موقف المسلم من السمع والسماع:
أن نتدرج ونترقى بأسماعنا من دركات المعصية إلى مدارج الطاعة فأسمعها القرآن وذكر الله والنصيحة والكلم الطيب حتى تعتاده، يقول عمر : (لولا ثلاثة ما أحببت البقاء: تجهيز الجيوش في سبيل الله، ومكابدة الليل بالقيام، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي الناس أطايب الثمر).
البعد عن مجالس الكفر واللغو الفاحش قال تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين [الأنعام:68]. وإلا كانت المساواة فيما هم فيه والإثم لاحق قال تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم [النساء:140].

-------------------------
__________
(1) مفتاح دار السعادة.
(2) أحمد.
(3) أحمد.
(4) متفق عليه.
(5) رواه البيهقي وابن السني.
(6) أحمد.
(7) أحمد.
(8) فقه السنة مجلد1 ص 274 .
(9) الطبري.
(10) 10])الترمذي وقال حديث حسن.
(11) 11])متفق عليه.
(12) 12])ابن ماجة.
(13) 13])مسلم.