عاقبة الصدق في الدنيا والآخرة

أحد, 01/12/2019 - 00:45

عاقبة الصدق في الدنيا والآخرة
-----------------------
الخطبة الأولى
قال تعالى: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق:16-18].
فإذا كنا نحتال على قضاء الدنيا وقضاتها بالجاه والمال والإنكار بالحجة الكاذبة واليمين الغموس فإن شهود الآخرة ليسوا كذلك، وأعظم شهادة هو الله فقد أحاط علمه بما توسوس به نفس العبد، ولا يتكلم العبد بكلمة إلا ولها رقيب يرقبها، معد لذلك يكتبها.
فما اللسان؟ وما خطره؟ وما أنواع النطق؟ وما أدب النطق في إسلامنا؟
أما اللسان: فهو رسول القلب وترجمانه ودليله، صغير جرمه، عظيم خطره، وأعصى الأعضاء على الإنسان هو اللسان.
واللسان آية سبحان مبدعها وصانعها، فاللسان واحد في الشكل والمنظر ولكن الكلام مختلف قال تعالى: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين [الروم:22].
واللسان باب عظيم إلى النار لحديث معاذ بن جبل: ((أنؤاخذ على ما نقول؟ فقال : ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم))(1)[1]). كما أنه باب عظيم إلى الجنة للحديث: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها سبعين خريفا في جهنم))(2)[2]).
واللغة والنطق ليست فارقا بين الإنسان والحيوان بل لكل لغته قال تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء:44]. وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها [النمل:17-19].
والإمساك عن فضول الكلام نجاة، قال عقبة بن عامر: يا رسول الله ما النجاة؟ فقال: ((أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(3)[3]). وكان أبو بكر يضع الحصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام، وكان الربيع بن خثيم إذا أصبح أعد قلما ودواة وقرطاسا فكل ما يتكلم به يكتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء.
وما أنواع النطق والكلام؟
فأعظم الكلام وأكرمه هو كلام رب العالمين، كلامه بالقرآن الكريم، والعبد يتعبد الله تعالى بقراءته أو سماعه أو النظر إليه كما ذكر ذلك غير واحد من السلف للحديث: ((من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نور القيامة))(4)[4]).
وكان من السلف من يحرص ألا يتحدث إلا بآيات من كتاب الله مخافة الوقوع في الزلل.
يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: خرجت إلى بيت الله الحرام وزيارة مسجد نبيه عليه الصلاة والسلام، فبينما أنا في الطريق إذا أنا بسواد على الطريق فإذا امرأة عجوز فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقالت: سلام قولا من رب رحيم فقلت: رحمك الله ما تصنعين في هذا المكان؟ قالت: ومن يضلل الله فلا هادي له ، فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها: أين تريدين؟ قالت: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فعلمت أنها قد قضت حجتها وتريد بيت المقدس، فقلت لها: أنت منذ كم في هذا الموضع؟ قالت: ثلاث ليال سويا ، فقلت: ما أرى معك طعاما تأكلين. قالت هو يطعمني ويسقين فقلت: بأي شيء تتوضئين؟ قالت: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فقلت: لم لا تتكلمين مثل ما أكلمك؟ قالت: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد فقلت: هل أوصلك إلى حيث تريدين قالت: وما تفعلوا من خير يعلمه الله فلحقنا بالقافلة.
والمحروم من حرّم جوفه القرآن للحديث: ((إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب))(5)[5]). ((إن أصغر (أي أحقر وأقلها بركة) البيوت بيت ليس فيه شيء من كتاب الله))(6)[6]).
النطق الصادق:
أ- في الدنيا:
الاستقامة على قولة الحق التي قالها تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [فصلت:30]. قرأها النبي ثم قال: ((قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها))(7)[7]). وللصدق أثر في القول والصوت. عندما دخل النبي المدينة، قال أحد المشركين بعد سماعه لحديث المصطفى : ((والله ما هو بوجه كذاب ولا بصوت كذاب))، وصدق العهد الذي بين الله وعباده أن يبذلوا له المال والأرواح قال تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر [الأحزاب:23]. قال ابن كثير: ينتظر الشهادة، فيحيا حياة الشهداء فلا ركون إلى الدنيا، ولا حرص على الدنيا ولا تضييع لفرائض الله تعالى للحديث: ((من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه))(8)[8]).
ب- في الآخرة:
ضحك النبي ثم قال: ((عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول: أي ربي أليس قد وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، فيقول: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، فيقول الله تعالى أوليس كفى بي شهيدا والملائكة الكرام الكاتبين. فيردد ذلك مرارا، فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل فيقول: بعدا لكنَّ وسحقا عنكنَّ كنت أجادل))(9)[9]). قال ابن عباس تخاصم الأفواه الجوارح فتقول الجوارح: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء [فصلت:21]. قال تعالى: اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [يس:65].
النطق الآثم:
1- أن يقول العبد ما لا يعتقده: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [المنافقون:1]. كاذبون لأنهم قالوا ما لا يعتقدونه.
2- أن يقول العبد ما لا يفعله قال تعالى: لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [الصف:2-3].
الإساءة إلى منهج الله وأوليائه: ((شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرءاء العيب))(10)[10]). أي الذين يلصقون التهم والشبهات للبرءاء لأجل إلحاق الضرر بهم بالكلمة المسموعة أو المقروءة وستبقى كل كلمة كتبت محفوظة حتى يلقى العبد ربه.
وما من كاتب إلا ستبقى كتابته و إن فنيت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه
إشاعة الفاحشة في الأمة وتحبيب الفاحشة إليهم قال تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون [النور:19]. فبمجرد حب إشاعة الفاحشة استحقوا هذا الوعيد من العذاب فكيف بمن يروجون لها ويدعون إليها، اللهم نسألك العافية.
أدب النطق في إسلامنا:
اللين حتى مع المخالف: اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [طه:43-44]. وبال أعرابي في المسجد فقام الأصحاب ليوقعوا به فمنعهم رسول الله وقال: ((دعوه حتى يكمل بوله)) ثم دعى بسطل ماء وصبه على بول الرجل ثم قال للأصحاب: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين فيسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)) ثم التفت إلى الأعرابي وقال: ((إنما بنيت المساجد لذكر الله وللصلاة)) فلما حسن أدب الأعرابي في الإسلام كان يقول: بأبي هو وأمي رسول الله لم يعنفني ولم يؤنبني))(11)[11]).
البعد عن السخرية والطعن: لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن [الحجرات].
إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى
وحظك موفور و عرضك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات و للناس ألسن
وعينك إن أبدت لديك معايبا فصنها وقل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى
وفارق ولكن بالتي هي أحسن

-------------------------

__________
(1) الترمذي والحاكم .
(2) ابن ماجة والترمذي .
(3) الترمذي .
(4) أحمد .
(5) الترمذي والحاكم .
(6) الحاكم .
(7) النسائي والبزار عن أنس / مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 262 .
(8) مسلم .
(9) مسلم .
(10) 10])أحمد .
(11) 11])مسلم .