الستر

أحد, 01/12/2019 - 00:41

 

الستر
قال تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون [النور:19].
إشاعة الفاحشة في المجتمع الإسلامي أسلوب يستخدمه أعداء الله للذهاب بالبقية من حياء الأمة، ويستخدمه الجهلة من المسلمين لينالوا ممن هم خيرا منهم بأن ينسبوا إليهم ما ليس فيهم والمسلم مأمور بالستر.
فما الستر؟ وما أنواعه؟ ومتى يفضح الله العبد؟
الستر: التغطية والحفظ. قال تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلقه يحفظونه من أمر الله [الرعد:11].
قال مجاهد: (ما من عبد إلا وله ملك يحفظه إلا من شيء أذن الله به فيصيبه).
والستر من خُلق الله عز وجل، للحديث: ((أن الله حيي ستير يحب الحياء فإذا اغتسل أحدكم فليستتر))(1)[1]).
والبيوت أسرار فلا يجوز نشرها، للحديث: ((إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها))(2)[2]).
ولا يجوز كشف العورة إلا إذا اقتضى الأمر، للحديث: ((عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: قلت يا نبي الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك))(3)[3]).
ولا يجوز ذكر ما بين الرجل وزوجته فيما يتعلق بالجماع للحديث: ((إن رسول الله صلى ثم سلّم ثم أقبل عليهم بوجهه فقال: مجالسكم من منكم الرجل الذي أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره ثم يخرج فيحدث فيقول: فعلت بأهلي كذا وفعلت كذا، فسكتوا، فجثت امرأة على ركبتيها فقالت: أي والله إنهم يتحدثون وإنهن ليتحدثن، فقال: هل تدرون ما مثل من يفعل ذلك؟ إن مثل من يفعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه في السكة فقضى حاجته منها والناس ينظرون إليه))(4)[4]).
وأما أنواعه:
ستر الخلقة والتكوين: يقول الإمام الغزالي: ((والله تعالى كثير الستر على عبيده ومن ستره سبحانه أنه أظهر الحسن من الجسد وأخفى القبيح منه كما قال تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين:4].
فأخفى الدماء في العروق وأخفى العروق تحت الجلود، ومن ستره سبحانه أنه جعل موطن الخواطر هو القلب فلا يطلع عليه إلا الله تعالى، ولو اطلع الخلق على ما يدور في قلبك لمقتوك ولكنه ستر الله سبحانه.
ستر لأوليائه:
في الدنيا يصرفهم عن المعاصي للحديث: ((ما هممت بشيء مما كانوا في الجاهلية إلا حال الله بيني وبينه، ثم ما هممت حتى أكرمني الله بالرسالة، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: افعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عرفا، فقلت: ما هذا؟ قالوا: عرس، فجلست أسمع فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس وفي الليلة الثانية أصابني مثل ما أصابني مثل أول ليلة ثم ما هممت بعده بسوء))(5)[5]).
في الآخرة، للحديث: ((يدني الله تعالى المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه (أي ستره) فيقرره بذنوبه فيقول: أتعرف ذنب كذا في يوم كذا، فيقول: أعرف، فيقول الله عز وجل: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته وأما الكافر والمنافق فينادي عليهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ))(6)[6]).
ستره على عصاته وأعدائه: فيقابل إساءة العبيد وكفرهم بالإحسان إليهم للحديث القدسي: ((أنا والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، أتحبب إليهم بالنعم وأنا الغني وهم يبتعدون عني بالمعاصي وهم الفقراء، خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد))(7)[7]).
كان لأبي حنيفة جار يعاقر الخمر وينشد:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فافتقد صوته يوما فسأل، فقيل: إن عسس الليل أخذوه (شرطة الليل) فعزم على زيارته فلقيه تلميذه أبو يوسف، فقال: إلى أين؟ قال: لزيارة جاري، قال: هذا السكير، قال: نعم، قال: وكيف وأنت إمام المسلمين؟ قال أبو حنيفة: لقد نفعني، كان يقول: أضاعوني وهذا حال كل بعيد عن الله: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا [طه:124]. فعظمت نعمة الإسلام، و كان يقيم الليل في معصية، فقلت: هذا يصبر نفسه على قيام الليل وهو في معصية ولا أصبر نفسي على قيامه وأنا في طاعة فأخذت أقيم الليل، هو ستر الله تعالى عليه شهورا وعسس الليل لا يهتدون إليه، فإذا كان هذا ستره على عصاته فكيف يكون ستره لأوليائه.
وإكراما لمجيء أبي حنيفة يطلق الوالي سراح السجناء وتكون توبة نصوحا لله تعالى.
ستر الأخوة: المسلم الحق عملة نادرة في زماننا فإذا ظفرت به فاحرص عليه، للأثر (المؤمن كثير بأخيه) وموسى عليه السلام سأل ربه أن يقويه بأخيه لأداء مهمة الدعوة: واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا [طه:31-36].
والجاهل هو الذي لا يجد مكانه إلا بأن ينحي غيره بالتجريح والطعن وهذا الصنف لا يبارك الله فيه ولا في قوله ولا في عمله، فحرمة المسلم عظيمة، للحديث: ((كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه))(8)[8]).
فالغيبة حرام، للحديث: ((من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه يوم القيامة))(9)[9]). والنميمة حرام، للحديث: ((لا يدخل الجنة نمام))(10)[10]). وهو الذي ينقل الكلام لإيقاع الأذى بين الناس والمساعدة على إيذاء المسلم وقتله حرام، للحديث: ((لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار))(11)[11]). والنصيحة الفاضحة لا تجوز يقول السلف: (من نصح أخاه بينه ويبنه فقد زانه ومن نصح أخاه في ملأ فقد شانه)، ولقد أصبح الكثيرون لا يحسنون النصيحة إلا بالأسلوب الفاضح المؤذي.
وأما متى يفضح الله العبد؟ فإن ذلك يحدث:
إذا كان حريصا على فضح إخوانه، للحديث: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه لا تتعبوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في بيته))(12)[12]).
المرأة إذا تبرجت وخلعت الستر الذي أمر الله به، خلع الله عنها ستره وحفظه ورعايته، للحديث: ((أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها إلا هتك الله عنها ستره))(13)[13]).
المجاهرة بالمعصية، للحديث: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون ومن المجاهرة أن يعمل الرجل العمل بالليل ويصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، بات يستره الله ويصبح يكشف ستر الله عليه))(14)[14]).

-------------------------
(1) رواه أبو داود.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه الترمذي والنسائي.
(4) رواه أحمد والبزار.
(5) فقه السيرة ص 72.
(6) رواه مسلم.
(7) رواه البيهقي عن أبي الدرداء.
(8) رواه مسلم.
(9) رواه الترمذي.
(10) 10])متفق عليه.
(11) 11])ابن ماجة والبيهقي.
(12) 12])رواه أبو داود.
(13) 13])رواه الطبراني.
(14) 14])متفق عليه.