ردّ المظالم

اثنين, 27/05/2019 - 21:35

أما بعد أيها المؤمنون عباد الله :اتّقوا الله تعالى في السِّر والعلانية والغيب والشهادة وراقبوه سبحانه مراقبة من يعلم أن ربَّه يسمعه ويراه .
معاشر المؤمنين عباد الله : إن هذه الحياة الدنيا فرصة ثمينة للعبد لا تعوَّض ليردَّ المظالم وليتحلَّل من العباد وليخرج من هذه الدنيا صافياً نقياً لا يلقى الله تبارك وتعالى محمَّلاً بالمظالم والتعديات ؛ الحياة الدنيا - عباد الله - فرصة ثمينة للعبد ليتخلّص من المظالم قبل أن يلقى الله عز وجل بمظالمه .
عباد الله : إنّ الواجب على العبد أن ينتهز فرصة وجوده في الدنيا ليتحلل من المظالم قبل أن تُقتص منه يوم القيامة، الدنيا فيها فرصة ثمينة للوفاء ، والدار الآخرة ليس فيها إلا القصاص ، وليس في الآخرة - عباد الله - دراهم ولا دنانير ولا شيء من متاع الدنيا فكل ذلكم قلَّ أو كثر يخلِّفه العبد من ورائه في الدنيا ويلقى الله عز وجل بأعماله حسناتٍ كانت أو سيئات .
روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد والحاكم في المستدرك وغيرهم عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ قَالَ الْعِبَادُ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ قُلْنَا وَمَا بُهْمًا قَالَ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ قَالَ قُلْنَا كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)) ؛ أي أنّ القصاص - عباد الله - يكون يوم القيامة بالحسنات والسيئات بحيث يؤخذ من حسنات الظالم ويعطى منها للمظلوم بقدر المظالم والتعديات ، فإن فنيت حسنات الظالم أخذ من سيئات المظلوم أو المظلومين فطرحت عليه فطرح في النار .
وهنا - عباد الله – تتجلى حقيقةً ويظهر جلياً حقيقة الإفلاس خلاف ما يفهمه كثير من الناس أن المفلس من لا درهم له ولا دينار ، بينما حقيقة الإفلاس – عباد الله - الإفلاس يوم القيامة من الحسنات ؛ بحيث يأتي العبد بحسنات كثيرة فتتناقص أمام ناظريه تذهب هنا وهناك إلى هذا وذاك حتى لا يبقى منها شيء ثم يُطرح في نار جهنم أجارنا الله جميعا . 
يوضح ذلكم عباد الله : ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ – تأمل يأتي بصلاة وزكاة وصيام أي مقبولات عند الله فهي حسنات له يلقى الله تبارك وتعالى بها يوم القيامة لكن ما مصيرها وما مآلها ؟! - وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) .
تأمَّل الأمور الخمسة التي نص عليها - عليه الصلاة والسلام – (( شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا )) وهذا عدوان على الأعراض ، ((وَأَكَلَ مَالَ هَذَا)) وهذا عدوان على الأموال ، ((وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا)) وهذا عدوان على الأنفس والدماء ،  وقد قال عليه الصلاة والسلام في حجّة الوداع (( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ))
عباد الله : المفلس في الدنيا الذي لا درهم عنده ولا دينار ينتهي إفلاسه بأحد أمرين : إما بمفارقة الدنيا ، أو بحصول الغنى ، أمّا المفلس يوم القيامة فنهايته أليمة ومصيبته عظيمة وبلوته كبيرة ؛ فينبغي على العبد العاقل أن يغتنم فرصة وجوده في هذه الحياة للتخلص من المظالم والتحلل من الاعتداءات قبل أن يقف بين يدي الله تبارك وتعالى محمَّلاً بالمظالم والاعتداءات . 
وتأمل نصح نبيك عليه الصلاة والسلام لك كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ)).
ألا فلنتق الله - عباد الله - ولنحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الله ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتهيئوا للعرض على الله يوم القيامة {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } [الحاقة:18] . 
اللهم أجِرنا من الخزي يوم القيامة ، ومن الفضيحة يوم الندامة ، وهيئ لنا من أمرنا رشَداً يا ذا الجلال والإكرام  .
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنّه هو الغفور الرحيم 

 

الخطبة الثانية:

أما بعد عباد الله : اتقوا الله تعالى ، واعلموا أنّ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، واعلموا أنّ أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وعليكم بالجماعة فإنَّ يد الله على الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . وصلُّوا وسلِّموا رعاكم الله على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال :   ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب:٥٦] ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا)) .

اللهم صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ، وارضَ اللهم عن الخلفاء الرّاشدين الأئمّة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين ، وعنّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين .

اللهم أعنّا ولا تعن علينا وانصرنا ولا تنصر علينا ، وامكر لنا ولا تمكر علينا ، واهدنا ويسِّر الهدى لنا ، وانصرنا على من بغى علينا ، اللهم اجعلنا  لك شاكرين لك ذاكرين إليك أوّاهين منيبين لك مخبتين لك مطيعين ، اللهم تقبل توبتنا واغسل حوبتنا واغفر زلتنا وأجب دعوتنا وسدِّد ألسنتنا واهد قلوبنا واسلل سخيمة صدورنا . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر . اللهم آت نفوسنا تقواها زكِّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.