حُقُوقُ العُمَّالِ

أحد, 05/05/2019 - 12:43

أما بعد معاشر المؤمنين عباد الله : اتقوا اللهَ تعالى ؛ فإنَّ مَن اتَّقى اللهَ وَقاهُ ، وأَرْشَدَه إلى خَيرِ أمورِ دينِهِ ودُنياه. وتقوى اللهِ جلَّ وعلا : عملٌ بطاعةِ اللهِ على نورٍ من اللهِ رجاءَ ثوابِ اللهِ ، وترْكٌ لمعصيةِ اللهِ على نورٍ من اللهِ خيفةَ عذابِ اللهِ .

أيُّها المؤمنون عباد الله : إنَّ نعمةَ اللهِ علينا بهذا الدينِ عظيمة ، ومِنَّتهُ جلَّ وعلا علينا بهدايتِنا للإسلامِ جسيمة . فالهدايةُ للإسلامِ والتوفيقُ للإيمانِ أعظمُ مِنَّةٍ وأكبرُ نعمةٍ ، يقول اللهُ تعالى : {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات:7-8] ، ويقول اللهُ جلَّ وعلا : {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17] .

معاشر المؤمنين : دينُ الإسلامِ دينٌ جمعَ الخيرَ كلَّه والفضلَ أجمعَه ، فما أُمِرَ أهلُ الإسلامِ بشيءٍ إلا وفيه فلاحُهم وسعادتُهم ورِفْعتُهم في الدنيا والآخرةِ ، ولا نُهوا عن شيءٍ إلا لما فيه من الأضرارِ والأخطار والعواقبِ الوخيمةِ في الدنيا والآخرةِ ، فاللهمَّ لك الحمد شُكْرًا ولك المنُّ فضلاً ولك الحَمْدُ إلهَنا على أنْ هديتَنا للإسلامِ ووفقْتَنا للإيمانِ وجعلتَنا من عبادِك المسلمين .

عباد الله : ودينُ الإسلامِ دينٌ جمَعَ الخيراتِ كلِّها ؛ ففيه حُسْنُ المعاملةِ بين العبدِ وبين ربِّهِ ، وفيه حُسْنُ المعاملةِ بين العبدِ وبين العبادِ ، فهو دينُ الإحسان ، وهو دينُ الرَّحمة ، وهو دينُ الكرَم ، وهو دينُ الفضيلة ، وهو دينٌ يَنْأَى بأهلِهِ وأتباعِهِ عن كلِّ خُلُقٍ ذميم وتصرفٍ مَشين وأخلاقٍ سَيئة ؛ دينٌ بُعِثَ به محمدٌ صلى الله عليه وسلم لِينْهَضَ بالناسِ في تعاملاتِهِم وآدابِهم وأخلاقِهِم وجميعِ شؤونِهم ، فها هو نبيُّ الإسلامِ عليه الصلاة والسلام يُعلنُ ذلك واضحًا جليًّا فيقول صلى اللهُ عليه وسلم : ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ))، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا)) ، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ : ((تَقْوَى اللَّهِ ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ )) ، والأحاديثُ - عباد الله - عنه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه في هذا البابِ كثيرةٌ متعددة .

ولقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام نصوصٌ كثيرةٌ معدودةٌ عند أهلِ العلمِ في باب الآدابِ الكاملةِ والأخلاقِ الفاضلةِ التي تُهَذِّبُ النُّفوسَ وتُصحِّحُ المسار وتُحسِنُ التعاملَ بين عباد اللهِ ؛ فالموفَّقُ من عباد اللهِ مَن أَكرمَه اللهُ جلَّ وعلا بالتحلِّي بأخلاقِ الشريعة وآدابِها الفاضلة وتوجيهاتِها الكاملة التي فيها سعادةُ الناسِ وفلاحُهم في الدنيا  الآخرةِ .

عباد الله : وبابُ الحقوقِ بابٌ مباركٌ عظيم جاءت الشريعة فوضعتِ الأمورَ في نصابِها والتعاملاتِ في مواضعِها وجاءت بإعطاءِ كلِّ ذي حقٍ حقَّهُ ، فليس في شريعةِ الإسلامِ حقوقٌ تُضيَّعُ أو واجباتٌ تُهدَر إلا مِمَن ضعُفَ دينُهم ورقَّ إسلامُهم وضعُفَتْ صلتُهم بربِّهِم جلَّ وعلا ، أمَّا مِنْ كان مُحافِظًا على دينِهِ ، مُشْفِقًا من ربِّه جلَّ وعلا ، مُجاهِدًا نفسَه على تحقيقِ إسلامِهِ فإنه من أعظمِ النَّاسِ حفظًا لهذه الحقوق ورعايةً لها .

والحقوقُ في الإسلامِ كثيرةٌ ومنها - عباد الله - : حقوقُ العُمَّالِ مِمَن أكرمَهم الله عزَّ وجلَّ بغنًى ومالٍ فأصبح تحت يدِهِ عُمَّالٌ وخَدَمٌ يستعمِلُهم في مصالحَ مُتعددةٍ وشؤونٍ متنوعة ، فجاءت الشريعةُ في هذا البابِ العظيمِ مُهَذِبَةً للأخلاقِ مُوجِهَةً الأغنياءَ لحُسْنِ التعاملِ والتأدبِ بالآدابِ الكاملةِ .

وأعظمُ ما ينبغي مراعاتُه في هذا البابِ : التعاملُ مع هؤلاء برحمةِ الإسلامِ ، فإنَّ مَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) ، ويقول عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ)) أي: مَن لا يَرحم عبادَ اللهِ لا يَظْفرُ ولا يفوزُ برحمة اللهِ جلَّ وعلا ، والجزاءُ من جنسِ العملِ ؛ فمَنْ رَحِمَ عبادَ اللهِ رَحِمَهُ الله ، ومِنْ لم يَرْحمْهم لم يَفُزْ برحمة اللهِ جلَّ وعلا .

ومن الواجباتِ في هذا المقام : الحذرُ الشديدُ من الظُلم ؛ فإنَّ الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة ، والواجبُ على الأغنياءِ وأهلِ اليَسار أنْ يتَّقوا دعوةَ المظلومِ فإنَّه ليس بينها وبين اللهِ حِجاب ، وفي الحديثِ - حديثِ عبد الله بن أُنيسٍ رضي الله عنه - قال صلى الله عليه وسلم : ((يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ: النَّاسَ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا ، قَالَ: قُلْنَا: مَا بُهْمًا ؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ)) أي: إنْ كانوا ذا تجارةٍ فليس معهم من تجارتِهم شيءٌ ، وإنْ كانوا ذا مالٍ فليس معهم من المالِ شيءٌ (( ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ ، أَنَا الدَّيَّانُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ ، وَعِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةَ " قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ ذَا وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ غُرْلًا بُهْمًا ؟! قَالَ : بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)) ، ويوضِّحُ ذلكم الحديثُ الآخرُ - المشهورُ عند أهلِ العلمِ بحديثِ المفْلسِ - قال صلى الله عليه وسلم : (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )).

أيُّها المؤمنون عباد الله : إنَّ العاقلَ الحصيفَ المنْصِفَ مع نفسِهِ المريدَ لسعادتِها في الدنيا والآخرةِ يُحَاذِرُ أشدَّ الحذرِ من أنْ يكون من المفْلِسين يومَ القيامةِ ، ولا يستغلَّ قُدْرتَه على العُمَّالِ وقوَّتَهُ وتَمَكُّنَهُ من تضييعِ حقوقِهم أنْ يُضيِّعَ حقوقَهم ؛ فإنَّ ما ضاعَ من الحقوقِ في الدنيا لا يضيعُ يومَ القيامةِ ، وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام : ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - وذكر منهم - وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ))  فمَن كان هذا شأنه فربُّ العالمين جلَّ وعلا هو خصْمُه يوم القيامةِ ، ومَن كان خصمه اللهُ فما أعظمَ خسرانَه وما أشدَّ هوانَه !! وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام : (( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ )).

 

الخطبة الثانية :

الحمدُ للهِ عظيمِ الإحسانِ، واسعِ الفضلِ والجودِ والامتنانِ ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه ؛ صلى اللهُ وسلَّم عليه وعلى آلِه وأصحابِه أجمعين .

أما بعدُ عباد الله : اتقوا اللهَ تعالى وراقبوه في السِّرَّ والعلانيةِ والغيبِ والشهادةِ مُراقبةَ مَنْ يعلمُ أنَّ ربَّه يسمعُهُ ويراهُ .

عباد الله : إنَّ بابَ حفظِ الحقوقِ بابٌ مباركُ تترتَّبُ عليه خيراتٌ متنوعة وآثارٌ مُباركةٌ يفوزُ بها مَنْ قام بهذه الحقوقِ في دُنياهُ وأُخراهُ ، ومن ذلكم - عباد الله- أنَّ القيامَ بحقوقِ العُمَّالِ وغيرها من الحقوقِ التي أوجبَها الله تبارك وتعالى يترتَّبُ على ذلكم من المصالحِ والمنافعِ والخيراتِ : تيسُّرُ الأرزاقِ ، وانشراحُ الصُّدورِ ، وتيسُّرُ الأمورِ ، والعونَ والتوفيقَ والتسديدَ من ربِّ العالمينَ ، ويترتَّب على ذلك إجابةُ الدُّعاءِ وتحقيقُ الرَّجاءِ ، إلى غير ذلِكم من المصالحِ .

وتأمَّلْ في هذا ذِكرَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام لقصةِ النَّفَرِ الثلاثةِ الذين أَطبقَتْ عليهم صخرةٌ في غارٍ فتوسَّل كلُّ واحدٍ من هؤلاءِ بقيامِهِ بالحقوقِ ؛