حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات

أحد, 05/05/2019 - 12:36

أما بعد أيها المؤمنون : اتقوا الله تعالى وراقبوه - عز وجل - واعملوا بطاعته وتجنبوا معصيته فإن في ذلك سعادة الدنيا والآخرة .

أيها المؤمنون عباد الله : إن هذه الحياة الدنيا مَيدان للجهاد ، والله تعالى يقول : ) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمـَعَ المـُحْسِنِين ( [ العنكبوت : 69] .

والجهاد عباد الله في هذه الحياة في مجالين عظيمين وبابين كبيرين ألا وهما : ملازمة الطاعات والمحافظة عليها ، وتجنب المعاصي والبعد عنها . ومن أكرمه الله عز وجل بتحقيق هذا الجهاد ؛ فاز يوم القيامة فوزاً عظيماً ، قال الله تعالى : ) فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النـَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنـَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحْيَـَاةُ الدُّنْيـَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُور ( [ آل عمران :185 ] . نعم عباد الله !! يفوز يوم القيامة بالزحزحة عن النار وبدخول الجنة دار الأبرار .

وليُعلم عباد الله أن الجنة لها أمور حفت بها وحُجِبت ، والنار كذلك لها أمور حفت بها وحجبت ، ولابد في هذه الحياة من مجاهدة للنفس على السلامة مما حفت به النار والوقاية منه ؛ لئلا يقع فيه العبد فيدخل النار ، وكذلك على الإقبال على ما حُفت به الجنة وحُجبت به ليفوز بدخولها . روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث انس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ)) ، ورواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه : ((حُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ، وَحُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ )) .

عباد الله : وإذا علم العبد أن للجنة حُجبا ، وأن للنار حُجبا ؛ فليعلم أن من هتك الحجاب وصل إلى ما وراءه، فمن هتك حُجُبَ النار وصل إليها ، والنار محجوبة بالشهوات ، ومن اقتحم حُجب الجنة وصل إليها ، والجنة حجبت بالمكاره .

والمكاره - عباد الله - التي حجبت بها الجنة : هي طاعات الله وفرائضه التي أمر الله بها عباده وإن شقت على النفوس ووقع في القلوب شيء من الكراهية لها . والشهوات التي حجبت بها النار : عموم المعاصي ؛ وإن مالت إليها القلوب وتاقت إلى فعلها .

عباد الله : في الدعاء المأثور عن نبينا عليه الصلاة والسلام :(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ)) .

.

الخطبة الثانية :

أما بعد :

عباد الله : ليعلم كلٌّ منا أن الجنة قريبة من أهلها وأن النار مثل ذلك ، فليس بين صاحب الجنة والجنة إلا أن يموت ، وليس بين صاحب النار والنار إلا أن يموت ،ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا تدري نفس بأي أرض تموت. وعجبا عباد الله لمن يحتمي من الأطعمة النافعة خوف مضرتها ؛ كيف لا يحتمي من الذنوب والمعاصي خوف معرتها يوم يلقى ربه عز وجل يوم القيامة !! قد تلوح للعبد لذة ويبرق برقها فينساق وراءها فيأتيه عقِبها صاعقة الندم وحسرة الألم ولا ينفعه ذلك يوم لقاء الله عز وجل .