أثر الإعلام الهدام في إفساد الأمة

أربعاء, 15/01/2020 - 13:18

الخطبة الأولى
أما بعد:فإن الدين عند الإعلاميين الهدامين هو مجرد تاريخ يقدمونه للناس أحيانًا كما يقدمون لهم تاريخ الهنود الحمر، كما يقدمون لهم تاريخ انقرض أو أوشك على الانقراض هذا هو الدين عندهم بينما الدين روح يصبغ الحياة بأجمعها يصبغ الحياة بأكملها من أجل هذا الجهل، من جراء هذا الجهل بالمعنى الحقيقي للإسلام استحكم التناقض في حياتنا نحن المسلمين اليوم.
فنحن ندعى والحمد لله أننا مسلمون وأننا مجتمع إسلامي ونرتاد المساجد ونصوم رمضان وربما شددنا رحالنا إلى بيت الله الحرام لكن جل شئون حياتنا يناقض ذلك، فهذا الربا مستحكم في حياتنا الاقتصادية وهذا الإعلام الهدام الفاسد المفسد الذي يشيع الفاحشة ويدعو إلى التغرب والفرنجة متفشٍ في حياتنا الاجتماعية، مستحكم متسلط على حياتنا اليومية، وهذه النظم الاجتماعية بل وتلك القوانين الوضعية فرنسية كانت أو إنجليزية بل وربما رومانية كما هو الحال في بعض بلاد المسلمين يأبون تحكيم ما أنزل الله على رسوله ويحكمون القوانين الفرنسية الإنجليزية وغيرها من شرقية أو غربية ومع ذلك يدعون أنهم مسلمون وأنهم مجتمع مسلم بينما القرآن قال بأبلغ عبارة وأوضح تقرير: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا [النساء:65].
تأمل يا مسلم هذا التعبير القرآني الواضح البليغ: ويسلموا تسليمًا فالإيمان تسليم والإسلام استسلام، تسليم واستسلام لله رب العالمين وحده لا شريك له. أتريدون أن تخدعوا الله يا مسلمون تعاملونه بإسلام اسمي مجرد واجهة وعنوان بينما حقائقكم وحياتكم تناقض الإسلام. حقائقكم وشئون حياتكم تناقض الإسلام، لقد وصف الله تعالى هذا الدين بأوصاف وكان مما سماه سماه روحًا وسماه نورًا فقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52].
الإسلام يا مسلمون نور يضئ القلوب والنفوس ويصبغ الحياة بصبغة الله الإسلام روح يسري في النفوس وفي القلوب فيصبغها بصبغة الله.
إذا سرت هذه الروح في نفس الإنسان وانبثق هذا النور في قلبه تغير كيانه كله تغيرت حياته كلها، حصل له تغيير فوري وانقلاب فوري فأما إذا لم يحدث هذا التغيير وهذا الانقلاب في حياته وفي كيانه فمعناه أن إسلامه وإيمانه بلا روح، جسد بلا روح.
كان العربي من أسلافكم فكم يسمع القرآن من النبي إذا سمع القرآن من فم النبي فأسلم وآمن ينطلق حالاً للعمل وللجهاد(1)[1] وينطلق فورًا للعمل وللجهاد لا وقت هناك للتردد ولا للتباطؤ ولا الانتظار ولا التسويف أليس المرام هو الجنة، أليست الجنة هي المراد وهي المآب فما هو أقصر طريق إلى الجنة.
جاء أعرابي إلى النبي والنبي راكب ناقته فأمسك بزمام ناقته وقال: يا رسول الله دُلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار فأعجب النبي قول ذلك الأعرابي والتفت إلى أصحابه وقال: ((لقد وُفِّق لقد وفِّق ثم قال أن تعبد الله وحده لا شريك له وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتؤدي الخمس من المغنم وتصل الرحم، دع الناقة دع الناقة))(2)[2].
هكذا كان اهتماماتهم رضوان الله عليهم أجمعين ما هو أقصر الطريق إلى الجنة؟ ما هو الذي يباعدهم عن النار ويقربهم إلى الجنة، إنهم يسألون عن أقصر طريق إلى الجنة فإذا عرفوه سلكوه بغير تردد ولا تسويف.
ذلك الصحابي الجليل رضي الله عنه(3)[3] وهو واقف بين صفى الجهاد سمع سيدنا رسول الله وهو يقول: ((من قاتل في سبيل الله فقُتل مقبلاً غير مدبر دخل الجنة)) فألقى ذلك الصحابي تمرات كانت في يده وقال: إنها لحياة طويلة إن أنا عشت حتى آكل هذه التمرات ثم انطلق بين الصفين يقاتل مع المسلمين حتى قُتل شهيدًا رحمه الله رضي الله عنه وأرضاه.
إنها حياة طويلة أن يعيش حتى يأكل تلك التمرات فماذا نقول نحن المسلمين اليوم في وصف حياتنا ليتها كانت بضع تمرات أو أصغر من ذلك ولكنها دنيا بأجمعها بكلكلها بأحمرها وأصفرها وبهارجها وشهواتها وآفاتها ومصائبها هجمت على قلوبنا وجثمت على نفوسنا حتى نسينا الجنة لقد أصبح إسلامنا اليوم في نفوسنا وفي مجتمعاتنا جسدًا بلا روح لأنه إسلام اسمي مجرد واجهة وعنوان إسلام بلا استسلام وإيمان بلا تسليم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين [النمل:91-92].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------

__________
(1) رواه البخاري في صحيحه باب إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه (3/1401-1402).
(2) أخرجه الترمذي (2786) وابو داود (4173) والنسائي (8/153) وأحمد (4/414) وغيرهم.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة باب الصلاة على النبي بعد التشهد (1/306) رقم (408).