موانع الانقياد للشرع

أربعاء, 15/01/2020 - 13:17

أما بعد: فقد بينا أن كلمة إسلام تتضمن المعاني الآتية: الاستسلام والتسليم والانقياد والطاعة والسلامة والسلام.
أما الجانب الرئيسي من معنى هذه الكلمة فهو الاستسلام والانقياد لله وحده لا شريك له انقيادًا كاملاً يشمل انقياد القلب وانقياد الجوارح.
وبينا أنه لا يمكن الفصل بين هذين فلا يُتصور أن ينقاد القلب لله وتتمرد الجوارح. أما إذا تمردت الجوارح على أمر الله فذلك دليل على أن القلب نفسه متمرد. ويتفرع من هذا أن المعرفة وحدها ليست إسلامًا، فإذا عرف الإنسان الحق وأقربه بلسانه إلا أنه لم يتبعه وأبى الانقياد له فإن تلك المعرفة لا تنفعه عند الله شيئًا. بل وذلك الإقرار أيضًا باللسان لا ينفعه أيضًا. لا ينفعه شيئًا. بل إن الإنسان الذي عرف الحق وأبى أن يتبعه وينقاد له هو أسوأ حالاً من ذلك الذي جهل الحق فلم يتبعه، ولهذا فقد ذم الله اليهود أشد مما ذم سواهم من الكفار والمشركين، ذلك لأن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه قال سبحانه في وصف حالهم وذم حالهم فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيًا أن يُنزِّل الله من فضله على من يشاء فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين [البقرة:89-90]. اليهود عرفوا الرسول وعرفوا أنه النبي الذي بشرت التوراة والإنجيل وعرفوا أن ما جاء به هو الدين الحق بل وأقروا بذلك بألسنتهم إلا أنهم لم يتبعوه ورفضوا الانقياد لما جاء به حسدًا وبغيًا، بغيًا وحسدًا ممن عند أنفسهم، فإنهم إنما كانوا ينتظرون أن يُبعث هذا النبي منهم من بني إسرائيل، فلما بُعث من قريش حسدوه وعاندوه وبغوا عليه. فالمانع الذي منعهم هنا من الانقياد والاستسلام لأمر الله هو الحسد والبغي.
وهذان هما أكثر أسباب الكفر تحكمًا في البشر وتفشيًا في بني آدم، تلك تركة إبليس وسنته السيئة التي بذر بذرتها يوم أن رفض الانقياد والامتثال لأمر الله عز وجل مع علمه لألوهيته وعظمته سبحانه وأنه لابد من الانقياد لأمره دون تردد أو سؤال أو نقاش، مع ذلك كفر إبليس بعدم انقياده وامتثاله، مع توافر علمه، وسبب كفره هو الحسد والبغي قال لربه: أأسجد لمن خلقت طينًا [الإسراء:61]. ثم تمادى في حسده وبغيه فقال وهو بين يدي رب العزة فقال: أرأيتك هذا الذي كرمت علىّ لئن أخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً [الإسراء: 62].
وقد تكون الشهوات والأهواء والمصالح المتشابكة المبنية عليها قد تكون مانعًا من أشد الموانع التي تمنع الانقياد، من أشد هذه الموانع تأثيرًا في النفس البشرية. فإذا قامت الشهوات والأهواء والمصالح المبنية عليها، إذا قامت حائلاً بين الإنسان وبين الانقياد الكلي لأمر الله ودينه، قامت بينه وبين الانقياد ومن حيث المبدأ، قامت حائلاً بين الإنسان وبين الانقياد الكلي فحينئذ لم يتحقق شيء من معنى الإسلام في نفس الإنسان.
وهناك فرق بين أن تتسلط هذه الأهواء والشهوات والمصالح المبنية عليها تتسلط على الإنسان فتضعف فيه أصل الانقياد الموجود وبين أن تقف حائلاً بينه وبين الانقياد من حيث المبدأ.
ففي الحالة الأولى شيء من معنى الإسلام موجود إلا أنه أضعفته تلك الأهواء والشهوات والمصالح المترتبة عليها وفي الحالة الثانية لاحظ للإنسان من معنى الإسلام، لا شيء من معنى الإسلام موجود مع وقوف تلك الموانع حائلاً بينه وبين الانقياد من حيث المبدأ.
هناك ثلاثة أمثلة بارزة من سيرة المصطفى توضح هذا المبدأ. فقد أرسل النبي كتبًا إلى ملوك أهل الأرض في زمنه وكان من أبرز ملوك أهل الأرض في زمنه كسرى ملك الفرس، وهرقل ملك الروم، والنجاشي ملك الحبشة.
فأرسل النبي إلى كل واحد منهم كتابًا يقول فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس - أو إلى هرقل عظيم الروم - السلام على من اتبع الهدى، أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم))(1)[1]، أما كسرى فلما قرأ كتاب النبي استشاط غضبًا ومزق الكتاب أي أعلن بوضوح صارح تمرده على أمر الله عز وجل. ورفضه الوقح للانقياد لله سبحانه وتعالى، ولما بلغ النبي أن كسرى مزق الكتاب دعا عليه(2)[2] بأن يمزق الله ملكه فوالله ما هي إلا سنوات قلائل هي قصيرة في عمر الممالك وإذا بملك كسرى يتمزق شذر مذر وتطأ سنابك خيل المسلمين أرض بلاده ويهيم هو على وجهه شريدًا طريدًا حتى قتله أحد خدمه غيلا.
أما هرقل عظيم الروم فلما قرأ كتاب رسول الله وسمع أوصافه رق قلبه ومال إلى الإسلام بل وأعلن ذلك وأقر به لسانه وبأن هذا النبي حق وهو الذي بشرت به التوراة والإنجيل، بل قال أكثر من ذلك، قال: ليملكن ما تحت قدمي هاتين وودت أني أصل إليه وأغسل الأرض تحت قدميه، لكنه مع ذلك لم يتبع النبي أبى الانقياد لأمر الله الذي جاء به محمد . وذلك خوفًا منه على ملكه وسلطانه وشهواته وأهوائه ومصالحه المترتبة عليها خاف على كل ذلك لما رأى قساوسته ورهبانه سخروا وكفروا وأبوا أن يقروا لسيدنا محمد بالنبوة فخاف منهم ومالأهم وتابعهم على كفرهم فهل نفعته معرفته للحق شيئًا. هل نفعه علمه بالحق شيئًا بل وإقراره بلسانه بل وأكثر من ذلك تمنيه أن يصل إلى النبي ويغسل الأرض قدميه هل نفعه كل ذلك شيئًا، لم ينفعه ذلك شيئًا وبقى هرقل كافرًا ملعونًا بسبب عدم الانقياد.
أما النجاشي رحمه الله فلما قرأ كتاب النبي الذي يدعو فيه إلى الإسلام أسلم(3)[3] وحسن إسلامه رحمه الله، ولما سمع آيات من القرآن قرأها عليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بكى النجاشي وفاضت عيناه من الدمع، وفيه يُقال نزل(4)[4] قوله تعالى: ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق [المائدة:82-83].
وامتثل النجاشي رحمه الله لأمر سيدنا محمد فأكرم صحابته الذين هاجروا إليه، هاجروا إلى الحبشة وآواهم ووفر لهم الحماية ودافع عنهم بل ووكله سيدنا رسول الله أن يزوجه من أم حبيبة بنت أبي سفيان فزوجه النجاشي إياها بل وروى أن النجاشي رحمه الله أرسل إلى النبي يسأله إن كان يأمره بالقدوم إليه فيرحل إليه، لكن الرسول لم يأمره بذلك.
النجاشي رحمه الله مسلم وحسن إسلامه بل وصلى عليه رسول الله صلاة الغائب لما بلغه نبأ وفاته.
أما هرقل فكافر فما الفرق بينهما وكلاهما عرف الحق وعلمه وأقر به بلسانه. الفرق بينهما هو الانقياد فالنجاشي عرف الحق واتبعه وانقاد له وامتثل لأمره، أما هرقل فعرف الحق ولم يتبعه وأبى الانقياد له والامتثال لأمره أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد [آل عمران:20].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------

__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله (1/8-9).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه الأدب باب عقوق الوالدين من الكبائر (5/2229).
(3) أخرجه الواحدي وأخرجه الطبري (7/3) وسنده حسن.
(4) أخرجه النسائي في تفسيره (1/443) وغيره.ومسنده صحيح.