أحكام المولود

أربعاء, 15/01/2020 - 12:49

أما بعد: فإن المولود نعمة من الله يمن بها على من يشاء من عباده … وإنما يقدرها قدرها من فقدها، كغيرها من النعم … يقول المولى – عز وجل -: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون. وهذه المنة تشمل الهبة بالذكر والأنثى قال سبحانه وتعالى: يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور. وقد اعتنى الإسلام بأمر المولود اعتناء عظيما .. ورعاه رعاية فائقة .. تضمن له مصالحه فقرر الأحكام العظيمة .. وشرع الشرائع المبينة .. التي جاءت شاملة كاملة خالية عن الظلم والحيف.. منزهة عن التلطخ بأنجاس الشرك والوثنية التي كان قد ابتلى بها العرب قبل الإسلام. وسنعرض لبعضها بشيء من الاختصار. إخوة الإسلام: إن الفرحة بالمولود أمر فطري؛ لأن الأب والأم يشعران بأنه امتداد لهما، وحفظ لذكرهما، ولكن من عادات الجاهلية تخصيص الذكر بالفرحة وأما يوم البشارة بالأنثى فهو يوم بؤس وتعس، فترى الرجل إذا بُشِّرَ بالأنثى اسود وجهه… وعلاه العرق … وطأطأ رأسه إذا كان في ملأ .. وتحين الفرصة للفرار من المجلس .. وإن لم يكن في نادي قومه .. توارى عنهم ولم يطق الخروج إليهم … ثم أخذ يفكر هل يبقيها مع الذلة والهوان .. أم يقتلها ويودعها التراب كما قال الله عنهم: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون . بل كانوا في الجاهلية يهنئون بولادة الذكر وبموت الأنثى – والعياذ بالله – فمحى الإسلام هذه العادة الجاهلية، وقرر أن كلا من الذكر والأنثى هبة وعطية من الله سبحانه .. وأن الأنثى قد يكون فيها من الخير والبركة ما ليس في الذكر .. بل خص الله أكثر الأنبياء بالبنات، حتى قال الإمام أحمد: ((الأنبياء آباء لعلات)). وقال سبحانه وتعالى في النساء: فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً . فعلى العبد أن يتقي الله … ويرضى بما كتب الله .. وأن يطهر قلبه من أدران الجاهلية وأوساخها. وإذا ولد المولود فقد أرشد الإسلام إلى ضرورة رضاع أمه له … فقال سبحانه وتعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ، وظاهر أن الحولين يبدءان من يوم الولادة، بل قال الفقهاء: إن الأم إذا كان قد وجب عليها القتل في حد أو قصاص فإنها لا تقتل حتى ترضع ولدها اللبأ وهو أول الحليب الذي يخرج من ثديها بعد الوضع، ثم إن وجد من ترضعه سلم لها، وإن لم يوجد أخر عنها القتل حتى تتم الرضاعة. وقد دلت الأبحاث المعاصرة على أهميته جسديا ونفسيا في طفولة المولود وفي مستقبله بعد ذلك. ومع دلالة النصوص الشرعية والدراسات الطبية على ضرورته نرى عزوف كثير من الأمهات عن الرضاعة الطبيعية استغناءا بالرضاعة الصناعية التي أثبتت الدراسات خطرها يوما بعد يوم حتى اعتبرها بعض الباحثين قتلا بطيئا للمواليد … فإذا كان يوم سابعه من غير يوم الولادة فلا يعتد به إلا أن يولد قبل الفجر، شرعت العقيقة، لحديث سمرة: ((الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويسمى)). ولا ينبغي لمن قدر عليها أن يتركها…لقوله – -: ((الغلام مرتهن بعقيقته)). وقد عق النبي – - عن الحسن وعن الحسين .. فثبتت سنيتها بقول النبي – - وفعله .. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من صغار التابعين: ((أدركت الناس وما يدعون العقيقة عن الغلام والجارية )). وأما عن وقت العقيقة فقد تقدم أن الأفضل في اليوم السابع للحديث في ذلك .. وما بعد ذلك فليس فيه توقيت عن النبي – - فيما أعلم .. وإنما يروي عن بعض الصحابة كعائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: ((سبعة أيام وأربعة عشر ولأحد وعشرين)). يقول ابن القيم – رحمه الله -: ((والظاهر أن التقييد بذلك استحباب وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأت)). أيها الإخوة في الله: والذبح عن المولود أفضل من التصدق بثمن العقيقة لما فيها من الاقتداء وإحياء سنة المصطفى . سأل صالح أباه الإمام أحمد: عن الرجل يولد له ولد وليس لديه مال، أيقترض؟ فقال: ((إني لأرجوا إن استقرض أن يعجل الله الخلف .. لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله – - واتبع ما جاء عنه )). وأما مقدارها: فعن أم كرز – رضي الله عنها – أنها سألت رسول الله – - عن العقيقة. فقال: ((عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة . لا يضركم أذكرانا كن أم اناثا ))، رواه الترمذي وصححه . وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: أمرنا عليه الصلاة والسلام: ((أن نَعُقَّ عن الغلام بشاتين وعن الجارية شاة ))، رواه أحمد وغيره. وهذه قاعدة من قواعد الشريعة، فإن الله سبحانه فاضل بين الذكر والأنثى، وجعل الأنثى على النصف من الذكر في المواريث والديات والشهادات والعتق والعقيقة .. وذلك لفضل جنس الذكور على الإناث، كما قال سبحانه وتعالى: وليس الذكر كالانثى . فقبح الله الذين يدعون إلى المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ،أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. ------------------------- الخطبة الثانية أما بعد: ومن أحكام العقيقة: جواز كسر عظامها بعد ذبحها ،فإنه لم يصح في المنع من ذلك ولا في كراهته سنة يجب العمل بمقتضاها. وقد جرت العادة بكسر عظام اللحم .. وفي ذلك مصلحة أكله، وتمام الانتفاع به . وأما السن المعتبرة في العقيقة فقد أجمع العلماء أنه لا يجزي فيها إلا ما يجزي في الاضاحي . وقرر ابن القيم – رحمه الله – أنه لا يجوز الاشتراك في العقيقة، فلو ذبح جزور عن سبع لم يصح ؛لأن العقيقة نفس فداء نفس. ويجوز أن تذبح العقيقة من الإبل والبقر والغنم. ويجوز في العقيقة الاأل والاهداء، ولا بأس باجتماع الناس فيها، لعدم النهي عن ذلك. ونختم الحديث عن العقيقة بذكر بعض حكمها وفوائدها مما ذكره الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى: أولا: في ذبحها إحياء للسنة وإظهارا لها، وكفى بها فائدة وفضيلة. ثانيا: أنه قربان يقرب به عن المولود في أول أوقات خروجه إلى الدنيا، والمولود ينتفع بذلك غاية الإنتفاع كما ينتفع بالدعاء له. ثالثا: أنها فدية يفدي بها المولود، كما فدى الله سبحانه إسماعيل الذبيح بالكبش. رابعا: غير مستبعد في حكمة الله في شرعه وقدره أن تكون سببا لحسن إثبات الولد، ودوام سلامته وطول حياته في حفظه من ضرر الشيطان. خامسا: فيها معنى القربان والشكران والفداء والصدقة وإطعام الطعام عند حوادث السرور العظام؛ شكرا لله، وإظهارا لنعمته التي هي غاية المقصود من النكاح. فلا أحسن ولا أحلى في القلوب من مثل هذه الشريعة في المولود، فإنها إظهار للفرح والسرور بإقامة شرائع الإسلام، وخروج نسمة يكاثر بها رسول الله – - الأمم يوم القيامة تعبدا لله، وإرغاما لعدوه. معاشر المؤمنين: صلوا وسلموا. . .