الوصية في الإسلام

أربعاء, 15/01/2020 - 12:48

والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [سورة العصر] .
إن لأهل الإيمان سمات أربع: إيمان وعمل صالح يصدّق دعوى الأيمان، ووصية بعضهم لبعض بلزوم الحق، والصبر على تكاليف الطريق.
فما الوصية؟ ولماذا؟ وما أنواعها؟ وما موقف المسلم منها؟
الوصية: مأخوذة من الوصي، يقال: أرض واصية أي متصلة النبات.
واصطلاحا: هو ما يتقدم به الغير من قول أو فعل لإرادة الإصلاح والقربة إلى الله تعالى سواء كان في حال عافية أو عند الاحتضار، وإن كان الغالب إطلاق لفظ الوصية على ما يكون في حال الاحتضار وينبغي أن تعلم:
أن للمسلم أن يوصي عند احتضاره، ليستدرك ما فاته من الطاعات والقربات بالوصية للوالدين والأقربين، ممن لا يرث أو لبناء مسجد أو حفر بئر يشرب منها المنقطعون قال تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين [البقرة:180].
والإضرار بالوصية حرام، وصورة الإضرار تكون إما بالوصية للغني ومنع الفقير، أو الوصية للعاصي ومنع الطائع، أو لبناء كنيسة، أو دار للهو، أو الوصية مع قلة المال المورث وفي ذلك إضرار بالورثة كبير، للحديث: ((إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار))(1)[1]).
والوصية تكون في الثلث أو دونه للحديث: ((عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهم - قال: جاء النبي يعودني، قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟، قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم))(2)[2]).
وأما لماذا الوصية؟ فلا بد من الوصية لأمرين:
لأن الآجال مجهولة، فلا يدري أحد منا متى يأتيه أجله قال تعالى: وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت [لقمان:34]. لذا لزم أن تكون الحقوق محفوظة، معلومة، مالك وما عليك من الحقوق والديون للحديث: ((ما حق امرء مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده))(3)[3]).
قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله يقول ذلك إلا وعندي وصيتي.
ولا بد من الوصية حتى لا تعذب بسبب غيرك، فعليك أن توصي بأنك مثلا بريء من كتاب كتبته وطعنت في الإسلام جهلا، أو في الفتوى التي تخالف صريح الكتاب والسنة، أو من الفعل الجاهلي الذي سننته واتبعك فيه آخرون كإقرار في العمل الإسلامي للحديث: ((ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))(4)[4]).
ومن ذلك أيضا ما أشار إليه الشوكاني رحمه الله تعالى في شرحه للحديث: ((الميت يعذب في قبره بما نيح عليه))(5)[5]) .
قال الشوكاني رحمه الله: قال ابن المرابط: إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح وأن أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره(6)[6]).
وأما أنواع الوصية :
1- فأجلها وأكرمها وأعظمها هي وصية الحق سبحانه، فأكرم بها من وصية، فالله تعالى أرحم بعبيده من عبيده بأنفسهم ومن وصايا رب العزة إلينا:
أ- الاستقامة على النهج والطريق الذي شرعه لنا وهو الإسلام وعدم الانحراف إلى السبل، سبل الضلال والضياع قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام:153].
وعن ابن مسعود قال: خط رسول الله خطا بيده ثم قال: ((هذا سبيل الله مستقيما وخط عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ))(7)[7]).
والسبل إنما تتفرق بأمة محمد إذا فقدت الأمة وعيها وإذا فقدت وعيها فقدت دينها وإلا فقل لي بربك: أي طريق أحق بالاتباع: طريق القائم عليه هو الله والمشرع له، والداعي إليه هو المصطفى ، والمنهج فيه منهج رباني لا ظلم فيه ولا محاباة ولا جهل، أوطريق القائمون عليه يهود أو نصارى، والداعون إليه هم السفلة والحثالة من البشر، والمنهج فيه منهج بشري قاهر فيه الظلم والمحاباة والجهل، فأيهما أحق بالإتباع؟.
ب- ومن وصايا رب العزة إلينا، وصيته بالإحسان إلى الوالدين، قال تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير [لقمان:14].
رأى عبدالله بن عمر رجلا يحمل أمه على كتفه ويطوف به حول الكعبة ويقول:
إني لها مطية لا تنفر إذا الركاب نفرت لا تنفر
ما حملتني وأرضعتني أكثر الله ربي ذو الجلال الأكبر
تظنني جازيتها يا ابن عمر.
فقال ابن عمر: لا ولا طلقة. أي صرخة من صرخات الولادة وألمها لا يساوي عملك صرخة واحدة.
2- ومن الوصايا وصايا رسول الله لأصحابه وأمته:
عن أبي هريرة قال: ((أوصاني خليلي رسول الله بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد))(8)[8]).
قال النووي: والإيتار قبل النوم إنما يستحب لمن لا يثق بالاستيقاظ آخر الليل فإن وثق فآخر الليل أفضل.
وهذه الأيام الثلاثة هي البيض وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر عربي، وركعتي الضحى: وأقلها ركعتان ويبتدئ وقتها بارتفاع الشمس قدر رمح وينتهي عند الزوال وأجرها عظيم للحديث: ((في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل عليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة))، قالوا: فمن الذي يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: ((النخامة في المسجد يدفنها أو الشيء ينحيه عن الطريق فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزئ عنه))(9)[9]).
عن علي قال: أن النبي قال له: ((يا علي ثلاثة لا تؤخرها الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفئا))(10)[10]) .
الصلاة إذا أتت لقوله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا [النساء:103].
والجنازة إذا حضرت: فمن السنة المبادرة بتجهيز الميت متى تحقق موته، لقول النبي حين عاد طلحة بن البراء فقال: ((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به، عجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن يحبس بين ظهراني أهله))(11)[11]).
3- وصايا الوالد لولده: ويقص علينا القرآن وصايا كثيرة منها في حال الحياة ومنها في حال الاحتضار.
وصايا لقمان لأبيه ومنها وصيته في بث الخشية، والحذر من فعل السيئة فيقول: يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير [لقمان:16]. أي أن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل وكانت مخفية في السماوات أو في الأرض أحضرها الله وجازى عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وصية في أدب السير والحديث والتعامل: فيقول: ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [لقمان:19].
فأوصاه ألا يعرض بوجهه عن الناس إذا كلموه، احتقارا لهم، وألا يمشي خيلاء متكبرا عنيدا، وأن يمشي معتدلا، وألا يبالغ في رفع الصوت فيما لا فائدة فيه، فإن أقبح الأصوات لصوت الحمير.
وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام عند الاحتضار: قال تعالى: ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة:132]. فكان الاطمئنان على مستقبل عقيدة الأبناء، هي الوصية التي نطق بها لسان الأنبياء عند موتهم، وهل هنالك أكرم من هذا الميراث، ميراث الدين، الذي فيه صلاح حال العبد في آخرته ودنياه.
4- ومن الوصايا وصية الزوج لزوجته: قول أبي الدرداء لامرأته: إذا رأتني غضبت فرضني، وإذا رأيتك غضبتى رضيتك، وإلا لم نصطحب(12)[12]).
ووصية أم لابنتها: وهي وصية أمامه بنت الحارث لابنتها لما حان زفافها إلى الحارث بن عمرو ملك كندة قالت: أي بنية إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي له خصالا عشرا، يكن لك ذخرا:
أم الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله والرعاية على عياله، فالعماد في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.
وأما التاسعة العاشرة: فلا تعصين له أمرا ولا تفشين له سرا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره.
ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهموما، والكآبة بين يديه إن كان فرحا .
وأما موقفنا من الوصية :
1- فينبغي أن يحرص كل منا على أن يبرئ ذمته من كل تبعة، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، وقبل أيام من وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، صعد المنبر ونادى: من أخذت منه مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه. لا تقولوا فضوح، فإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة وللحديث: ((من كان عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم))(13)[13]) .
2- وينبغي أن تعلم أيضا أنه ليس كل وصية قائلها صادق آمين: فكثيرا ما يلبس الباطل ثوب الناصح الأمين زورا وكذبا: قال تعالى حكاية عن إبليس: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين [الأعراف:21].
قال ابن كثير: نادى الله آدم: يا آدم أمني تفر؟ قال: لا ولكني استحييك يا رب قال: أما كان لك فيما منحتك في الجنة وابحتك منه مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا. وهو قوله تعالى: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ، أي حلف لهما بالله(14)[14]).
3- وينبغي أن تعرض كل وصية على كتاب الله وهدي النبي فما وافقهما اتبعته، وما خالفهما تركته.

-------------------------

(1) رواه أحمد والترمذي .
(2) رواه البخاري ومسلم .
(3) رواه البخاري ومسلم .
(4) رواه مسلم .
(5) رواه أحمد ومسلم .
(6) نيل الأوطار مجلد 2 جزء 4 ص 157 .
(7) رواه أحمد الحاكم والنسائي .
(8) متفق عليه .
(9) رواه أحمد وأبو داود .
(10) 10])رواه أحمد والترمذي .
(11) 11])رواه أبو داود .
(12) 12])فقه السنة جزء 2 ص 199 .
(13) 13])البخاري .
(14) 14])مختصر ابن كثير مجلد 2ص 11 .