العبادة

أربعاء, 15/01/2020 - 12:42

قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات:56-58]. خير ما يفسر هذه الآية هو الحديث القدسي: ((يا عبادي إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة ولا لأستكثر بكم من قلة ولا لأستعين بكم من وحدة على أمر عجزت عنه ولا لجلب منفعة ولا لدفع مضرة وإنما خلقتكم لتعبدوني طويلا وتذكروني كثيرا وتسبحوني بكرة وأصيلا)).
فما العبادة ولماذا؟ وما أنواعها وما أثرها؟
أما العبادة لغة: الخضوع والذل يقال: طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، والعبادة تضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له سبحانه يقول ابن القيم رحمه الله: أصل العبادة محبة الله بل إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه.
وما بعث الأنبياء إلا بالدعوة إلى عبادة الله سبحانه: وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله [الأعراف:73]، وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله [الأعراف:65]. والله يقول لحبيبه المصطفى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر:99].
والقلب لا يتسع إلا لإله واحد يعبد قال تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه [الأحزاب:4]. فإن لم يكن هو الله، فهو غير الله من هوى أو مال أو زوجة ومعصية الله في طاعتهم قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية:23]. وللحديث: ((تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار))(1)[1]).
وكلما ازداد العبد معرفة بربه ازداد حبا له وتعبدا، يقول ابن القيم: من عرف ربه أحبه فهو المنعم: وما بكم من نعمة فمن الله ، والنفس الإنسانية مجبولة على محبة من يحسن إليها فكيف بإحسان الله ومنّه وكرمه؟ فكيف لا يحب العبد ربه ولا يتعبده وهو القائم سبحانه على شؤون خلقه، المسلم منهم والكافر بالرزق والحفظ والحياة للحديث القدسي: ((أنا والجن والإنس في نبإ عظيم، أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي أتحبب إليهم بالنعم ويبتعدون عني بالمعاصي، خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد))(2)[2]).
وأما لماذا العبادة؟:
1- فالعبادة غذاء للروح: فالإنسان جسد وروح والجسد غذاؤه الطعام والشراب فإذا حرم الجسد الطعام أياما أصابه القلق والجوع والألم ويبلغ حد الجنون، وكذلك الروح لها غذاؤها من تعبد لله سبحانه وذكر له فإذا حرمت الروح غذاؤها أصابها ما يصيب الجسد عند الجوع فيتخبط ويصيبه الجزع والهلع والانحراف، ولذا يلجأ البعيدون عن الله تعالى إلى كل مسكر أو مخدر أو محرم حتى ينسوا أنفسهم، ذلك الجوع والفراغ الروحي الذي يعيشوه وصدق الله العظيم: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [الأنعام:125]. يقول أحد السلف: (مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها فقيل له: وما هو؟ قال: محبة الله والأنس به).
2- أداء للأمانة قال تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان [الأحزاب:72]. وإذا أدى العبد الأمانة بتنفيذ ما أمره الله به، أدى الله له الأمانة بالحفظ والتوفيق والخير قال الرازي: رأيت أعرابيا أتى باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء، فلما خرج لم يجد ناقته، فقال: اللهم إني قد أديت أمانتك فأين أمانتي؟ يقول الرازي: فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وسلم الناقة إليه. قال الرازي: إنه لما حفظ أمانة الله حفظ الله أمانته(3)[3]). فإذا أصلحت فيما بينك وبين ربك وأنت تحت سلطانه أصلح الله فيما بينك وبين من تحت سلطانك من زوجة وولد ودابة(4)[4])، يقول أحد السلف: (إني لأرى شؤم معصيتي في خُلق زوجتي وولدي ودابتي).
وأما أنواع العبادة: يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
الانقياد إلى شرع الله: ((إن عدي بن حاتم دخل إلى النبي وفي عنقه صليب من فضة فسمع النبي يقرأ: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله فقال عدي: ما اتخذوهم أربابا فقال: بلى، ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم؟ فقال عدي: بلى فقال رسول الله : فذلك عبادتكم إياهم))، ولذا قال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا قال السدي: (أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه أتبع، وما حكم به نفذ)(5)[5]).
عمل الإنسان عبادة إذا كان في دائرة الشرع: للحديث: ((مر على النبي رجل فرأى الأصحاب من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال: إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله))(6)[6])، وللحديث: ((من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له))(7)[7])، ((التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء))(8)[8]).
وكل عمل اجتماعي نافع عبادة:
أ- كإصلاح ذات البين للحديث: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ))(9)[9]).
ب- عيادة المريض للحديث: ((من عاد مريضا ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا))(10)[10]).
ج- إماطة الأذى عبادة للحديث: ((مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق فقال: لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم. فأدخل الجنة))(11)[11]).
د- جماع الرجل أهله عبادة للحديث: ((وفي بضع أحدكم صدقة: قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرا؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا:نعم. قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر))(12)[12])، قال العلماء: إذا نوى أداء حق الزوجة وإحصان الفرج.
وأما أثر العبادة:
إنها تجعل حياة المسلم كلها ربانية فلا تراه إلا مشدودا إلى الله تعالى يبغي رضاه في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل قال تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة:7-8]. قال صعصعة بن معاوية عم الفرزدق: (حسبي ألا أسمع غيرها). للحديث: ((اتقوا الناس ولو بشق تمرة))(13)[13]).
ولو بكلمة طيبة: ((لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق))(14)[14]). فكل شيء سجل في صحيفتك قال تعالى: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها [الكهف:49]. (الصغيرة هي البسمة والكبيرة هي الضحكة).
صلاح النفس ثمرة للعبادة: قال الله تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت:45]. وفي الحديث: ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا))(15)[15]). وذكر لرسول الله قوم يصلون ولكنهم يقومون بأمور لا تليق بمن يقيم الصلاة فقال: ((إن صلاتهم ستنهاهم))(16)[16]).

-------------------------

__________
(1) البخاري .
(2) رواه البيهقي عن أبي الدرداء .
(3) إحياء علوم الدين .
(4) الجواب الكافي لابن القيم ص55 .
(5) مختصر ابن كثير ، مجلد 2 ص137 .
(6) رواه الطبراني .
(7) رواه الطبراني .
(8) الترمذي .
(9) الترمذي .
(10) 10])ابن ماجة .
(11) 11])مسلم .
(12) 12])مسلم .
(13) 13])متفق عليه .
(14) 14])مسلم .
(15) 15])ابن أبي حاتم .
(16) 16])البزار والإمام أحمد في مسنده .