الداعية محمد صلى الله عليه وسلم

أربعاء, 15/01/2020 - 12:36

قال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالا مبين [آل عمران:164].
لو أوكل الله البشرية إلى عقولها لضلت لكنها منة من الله ورحمة أن بعث إليها الأنبياء والرسل بعد أن أطلعهم على جانب من جوانب الغيب المحجوب فيما ينصلح به حال العباد والبلاد وجعل خاتم الأنبياء محمد .
فمن هو محمد وما مكانته؟ ولماذا اختاره الله من البشر؟ وكيف انتصر في دعوته؟ وما سمات أتباعه ؟
أما محمد : فهو رسول رب العالمين: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [الأعراف:158].
وخاتم الأنبياء والمرسلين: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين [الأحزاب:40].
وفي الحديث: ((إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي))(1)[1]). والبشرية مدعوة للإيمان به للحديث: ((لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا حرم الله عليه الجنة))(2)[2]).
وأما مكانته:
فإن الله تعالى جعل اسمه قرينا لاسمه سبحانه فقال: ورفعنا لك ذكرك قال مجاهد أي: (لا أذكر إلا ذكرت معي)(3)[3]). ومن مناجاة رسول الله لربه: ((يا رب، إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته وجعلت إبراهيم خليلا وموسى كليما وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي؟ فقال: أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله إني لا أذكر إلا ذكرت معي )).
وأنه أخبر سبحانه أن أهل السماء يصلون على النبي ودعا أهل الأرض لذلك فقال: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56]. وصلاة الله معناها الرحمة، وصلاة الملائكة الدعاء وفي الحديث: ((ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة يوم القيامة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم))(4)[4]).
وما من نبي إلا ناداه رب العزة باسمه فقال: يا إبراهيم، يا يحيى، إلا محمد فكان النداء بلفظ الرسالة والنبوة: يا أيها الرسول ، يا أيها النبي .
وتأمل دعوة موسى عليه السلام: رب اشرح لي صدري وخطاب الله لرسوله : ألم نشرح لك صدرك .
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، اشتق اسمه من الحمد وأمه آمنة من الأمن، ومرضعته حليمة من الحلم، ولد في عام الفيل سنة 571م وكانت بعثته على سن الأربعين ووفاته على سن الثالثة والستين ومات أبوه عبد الله من العبودية لله وهو جنين في رحم أمه قال العلماء: حتى لا يقول أبي وإنما يقول ربي.
وأما لماذا اختاره الله من البشر؟ فقد كانت مطالب المشركين أن ينزل الله عليهم ملكا رسولا ولو بعث الله ملكا لما اتبعه أحد لأمور:
لأن الملائكة مخلوقة من نور ولا ترى إلا أن تتشكل بصورة إنسان وحينئذ يختلط الأمر عليهم أهو ملك أم بشر؟ قال سبحانه: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام:9]. أي لاختلط الأمر عليهم.
ثم أن الملائكة خلقت للطاعة ليس لها شهوة ولا شهية ولا يحتاجون إلى نوم ولا طعام قال سبحانه: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [البقرة:30]. لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون إذن سوف يجد كل إنسان الحجة في عدم اتباعهم لأنهم ملائكة يستطيعون ما لا يستطيعه البشر لذا كانت بعثة الأنبياء والرسل من البشر قال سبحانه: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم [يوسف:109]. وقال على لسان نبيه: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد [الكهف:110].
فلا حجة لأحد أمام الله تعالى أن يترك الدعوة والالتزام، لكبر سنه فرسول الله بعث على سن الأربعين وهاجر على سن الثالثة والخمسين وهو مطلوب حيا أو ميتا على جائزة قدرها مائة ناقة لمن يأتي به وينتقل إلى الرفيق الأعلى على سن الثالثة والستين بعد أن أرسى دعائم دولة الإسلام وبنى دعائمها.
وليس لأحد حجة أن يدع الطريق لأجل زوجة أو مال أو عيال فيجعل منهم عائقا بينه وبين الالتزام، فرسول الله كان له من النساء تسع، وكان له عيال فلم تكن عائقاً بينه وبين ربه، يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: كنا إذا حمي الوطيس (الحرب) احتمينا برسول الله فكان أقربنا إلى العدو.
ولا حجة لأحد أن يدع الطريق بسبب إيذاء الناس له وسخريتهم به فرسول الله اتهم بالجنون والسحر والكذب، ووضعوا على ظهره سلا جزور وهو ساجد لربه ويحبس مع أصحابه في شعب أبي طالب ثلاث سنين لا يواكلونهم ولا يناكحونهم ولا يحادثونهم، حتى يشد رسول الله الحجر على بطنه من الجوع.
وأما كيف انتصر رسول الله في دعوته؟ فقد كان ذلك:
1- لأنه استعلى على مغريات الأرض كلها، فرجل العقيدة لا يباع ولا يشترى، جاءت قريش تسأل رسول الله : ((إن كنت تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك الأموال حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا فلا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا))(5)[5])، فيقول لهم رسول الله كلمة هي قمة الاستعلاء على ركام الأرض ومتاعه ((والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه )). وأمتنا عاشت لفرجها وبطنها وعشقت الحياة أي حياة حتى ولو كانت تحت نعال اليهود أو النصارى أو الأراذل وصدق فينا قوله : ((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة منكم من قلوب أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت))(6)[6]).
2- انتصر رسول الله في دعوته لأنه كان معظما لربه ذاكرا له سبحانه يغضبه ما يغضب ربه ويرضيه ما يرضي ربه تقول عائشة: ((وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله))(7)[7]).
وأما سمات اتباعه :
فينبغي أن تعلم أن الأتباع ليسوا سواءا في إيمانهم واتباعهم، يقول ابن تيميه رحمه الله: (عامة الناس معهم إيمان مجمل ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم تحصل شيئا فشيئا إذا أعطاهم الله ذلك، فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد، إذ ليس عندهم من قوة اليقين ما يقدمونه على المال والأهل)(8)[8]). فعلى هذا يكون الأدعياء كثيرون يقول ابن الجوزي رحمه الله: (ليس كل مصل بمتعبد، ولا كل صائم بزاهد، ولا كل مستمع بخاشع، أتنحر وما لك بعير؟ أتمد القوس وما لها وتر؟ أتتجشأ من غير شبع؟)(9)[9]).
ولكنها سمات لمن أراد الصدق في اتباعه :
الحب: ولن يبلغ الإيمان درجة الرضى إلا بالحب الكامل لرسول الله للحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))(10)[10])، ولهذا الحب صور تدل عليه.
أ - أن يتجرد العبد المحب عن كل رأي أو حكم حتى ينظر قول الله ورسوله في الأمر قال تعالى لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قال ابن عباس: (أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة)(11)[11]).
ب-أن يكون دائم الصلاة على رسول الله للحديث: ((أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة))(12)[12]). أي أحقهم بشفاعته وأقربهم مجلسا منه.
ج- أن تكون له غيرة أن ينال أحد رسول الله أو منهجه بالسوء، فهذا حبيب الأنصاري، الذي وقع بيد (مسيلمة الكذاب) وأخذ الكذاب يقطع من لحم حبيب قطعة قطعة، ولا يريد منه إلا أن يذكر اسم رسول الله بالسوء فيقول حبيب (لا أسمع) حتى لقي ربه، أبى حبيب أن يذكر اسم الحبيب بسوء فأي حب دون أعناق الرجال:
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
روحي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الطهر والكرم
الثبات: فليس بالهزيل الذي تعبث به الأهواء وآراء الرجال وتيار الكثرة، والبلاء والشدة لابد منها للمحب الصادق للحديث: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل))(13)[13])، يقول ابن الجوزي رحمه الله: (لا تنظروا إلى جولة الباطل، وارتقبوا دولة الحق، إذا رأيت منافقا قد تبع فتذكر الدجال غدا والسامري بالأمس وانتظر للسامري لا مساس، وللدجال باب لُدْ) (لد:مدينة في فلسطين يذبح عندها المسيح عليه السلام الدجال).
3 -الدعوة: فليس بالمنعزل عن مجتمعه، تاركا الساحة لأعداء الله يعبثون بها، مر رجل من الأصحاب بشعب (أي شق في جبل) فيه عين ماء عذبة، فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس، فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ، فذكر ذلك لرسول الله فقال: ((لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما ألا تحبون أن يغفر الله لكم))(14)[14]).
والدعوة سمة بارزة قال تعالى: قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ؤ [يوسف:108].
4- الوعي: رحم الله عمر إذ يقول: (لست بالخب (أي المخادع) ولا الخب يخدعني). فلا ينبغي أن يكون أتباع رسول الله سذجا أو أغبياء وتنطلي عليهم خدع يهود أو نصارى، ومن السذاجة بمكان أن يظن أن أعداء الله سذجا فتدخل معهم في تحالفات، وجسور وتعلن أن الهيمنة للإسلام، وتنسى أنه لا وزن للحق من غير قوة تحميه، ورجال يذودون عنه، وكم يحزن المتأمل في واقع الصف المسلم وهو يراه مهلهلا، وتتنازعه الأهواء، وآراء الرجال، في وقت يتحدثون فيه عن التحالفات والجسور، نقول: أليس الصف المسلم أولى بهذه التحالفات بين أفراده وشلله وإقامة جسور بينهم؟ وألا نكون جسرا لأعداء الله يمرون فوقنا إلى مآربهم ومصالحهم فليت قومي يعلمون.

__________
(1) رواه أحمد.
(2) رواه أحمد ومسلم.
(3) مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 652.
(4) رواه الترمذي.
(5) سيرة ابن هشام 1/150.
(6) رواه أحمد.
(7) متفق عليه.
(8) فتح المجيد ص 344.
(9) اللطائف لابن الجوزي ص 72.
(10) 10])متفق عليه.
(11) 11])مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 357.
(12) 12])قال الترمذي : حديث حسن.
(13) 13])رواه الترمذي.
(14) 14])رواه الترمذي وقال حسن صحيح.