من صفات المؤمنين

خميس, 26/12/2019 - 13:14

 

 

أما بعد:

فإن الله تعالى أمر عباده أن يؤمنوا به وأن يكفروا بما سواه من المعبودات ووعد من آمن به بالفوز بالجنة والنجة من النار مع ما يعجله له في هذه الحياة الدنيا من طمأنينة القلب وبركة الرزق وغير ذلك من أنواع كراماته وصنوف افضاله.

والإيمان ذو شعب متفاوتة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء عبة من الإيمان. ولتفاوت شعب الإيمان تفاوت المؤمنون في إيمانهم فمنهم كامل الإيمان ومنهم من إيمانه لا يزن إلا ذرة أو حبة بر أو حبة شعير.

ودرجاتهم عند الله تتفاوت بحسب درجاتهم في الإيمان وتكميلهم لخصاله فليس جزاء ضعيف الإيمان عند الله كمثل جزاء كامل الإيمان بل بين درجاتهم في الجنة كما بين السماء والارض فكل من علت درجته ازدادت كرامته وتضاعف نعيمه.

ومن لطف الله ورحمته بعباده أنه بين لهم صفات أهل الإيمان الكامل التي يبلغون بها أعلى  مراتب الفوز والفلاح حتى يسارعوا إليها ويتحلوا بها ويكونوا من أهلها، هي أوصاف عظيمة عالية لكنها يسيرة على من يسرها الله عليه ووفقه إليها.

فمن تلك الصفات ما جاء في قوله تعالى في أول سورة الأنفال(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)

إن المؤمنين الكاملين في إيمانهم الصادقين في إيمانهم إذا ذكروا بالله وخوفوا به وجلت قلوبهم وخاوفوا منه لما يعلمون من عظمته وكبريائه وشدة انتقامه من أعدائه وأليم ناره وعقابه (أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى)، وعلامة خوفهم من الله أنهم يقومون بما أوجب الله عليهم ويكفون عن معصيته ومخالفة أمره فمتى أشرقت في قلوبهم شمس الذكرى انقشعت ظلمة الغفلة والهوى (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه). { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } [آل عمران: 135]  { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)

ومن صفاتهم أنهم إذا يزدادون إيمانا إذا تليت عليهم آيات ربهم لأنهم يقبلون عليها بقلوبهم يتدبرونها ويتفهمونها فيتعلمون منها ما جهلوا ويتذكرون بها ما نسوا وتزيدهم شوقا إلى الجنات وهربا من النيران ويزدادون معرفة بربهم حين يسمعون أسماءه وصفاته فيزدادون له حبا وإليه وشوقا ومنه رهبا وخوفا وكل ذلك من زيادة الإيمان.

ومن صفاتهم أنهم على ربهم يتوكلون حق التوكل أي يعتمدون بقلوبهم على ربهم وحده في قضاء حوائجهم وبلوغ أمالهم وتفريج كرباتهم لأنهم يعلمون أنه هو الذي بيده مقاليد السموات والأرض وأن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون هو الذي يملك الضر والنفع وهو الذي بيده الأسباب لا راد لحكمه ولا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى.

ولا يمنعهم سوء الفهم للتوكل من العمل بالاسباب المباحة والمشروعة بل يأخذون بها ويستعملونها مع كمال توكلهم على  الله وتفويضهم أمورهم إليه.

ومن صفات أهل الإيمان الكامل أنهم يقيمون الصلاة كما امر الله فيتطهرون ويصلون بقلوب حاضرة خاشعة وجوارح ساكنة ويتمون القيام والركوع والجلوس يصلون كنبيهم ويستحضرون أنهم وقوف بين يدي ربهم.

يفرحون بالصلاة إذا حضرت وينتظرون ما بعدها حرصا عليها فقلوبهم معلقة بالصلوات والمساجد لا يتخلفون عنها إلا من عذر غالب.

ويقيمون ما شرع الله من الصلات النافلة كالسنن الرواتب وقيام  الليل والوتر وغيرها مما ثبتت مشروعيته في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن صفاتهم أنهم ينفقون مما رزقهم الله النفقات الواجبة والمسحتبة الواجبة كالزكاة المفروضة والكفارات المتعينة والنفقة بالمعروف على النفس والزوجة والولد والمستحبة كصدقة التطوع في بناء مسجد أو حفر بئر أو إطعام مسكين ونحو ذلك من وجوه البر والخير.

وبعد ان ذكر سبحانه وتعالى هذه الصفات العالية لأصحاب الإيمان الكامل قال تعالى (أولئك هم المؤمنون حقا) أي الذين صدقوا في إيمانهم حق الصدق. أما من قصر عنهم من أهل الإيمان ولم يبلغ درجتهم فهو مؤمن لكنه دونهم في الإيمان.

وبعد أن شهد لهم سبحان بكمال الإيمان بين ثوابهم عنده فقال (لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم)

أي لهم درجات عالية والجنة درجات ونعيم الذين في الدرجات العلى أعظم من نعيم الذين دونهم ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال  "إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء" ، قالوا يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم؟ فقال: "بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".

ولهم مغفرة من الله يغفر بها ذنوبهم ويعفو عن سيئاتهم فالمؤمن غير معصوم من الزلل والخطأ ولكنه يتوب إذا أخطأ ويحسن إذا أساء ويستكثر من العمل الصالح حتى تكون حسناته أرجح من سيئاته.. والله يتجاوز ويعفو تفضلا منه وتكرماً.

ولهم رزق كريم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر يسكنون القصور ويعاشرون الحور وياكلون الفواكه والطيور ويشربون من أنهار الماء والعسل واللبن والخمور يلبسون الحرير ويحلون الذهب والفضة ولهم فيها ما اشتهت أنفسهم واستلذت أعينهم. وأكبر نعيمهم أن يكشف الله الحجاب عن وجهه الكريم فيرونه بأبصارهم من فوقهم كما يرون الشمس والقمر ليس دونها سحاب.

اللهم إنا نسألك حقيقة الإيمان والفوز بالجنان والنجاة من النيران برحمتك يا أرحم الراحمين . أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. 

الخطبة الثانية

أما بعد:

فإن الله تعالى حين يذكر لنا ما يحبه من الأقوال والأفعال إنما يريد منا أن نتخلق بها وأن نكون من أهلها ولهذا أمرنا بتدبر كتابه وتفهمه حتى نعمل به بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

فليعرض المسلم نفسه على كتاب الله فما وجد فيه من خير يدعى إليه فليسارع إليه وإن كان من أهله فليزدد منه وليثبت عليه وما وجد فيه من شر يحذر منه فليبتعد منه وإن كان واقعاً فيه فليسرع في الإقلاع عنه. وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)  جعلني الله وإياكم منهم.

....