من آداب طلبة العلم وأخلاقهم

خميس, 26/12/2019 - 13:14

 

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)

(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساء لون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)  

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)

أما بعد:

فإن لطالب العلم آداباً عظيمة جليلة ينبغي أن يتحلى بها وأن يرعاها حق الرعاية، وهذه الآداب منها ما جاء منصوصا عليه في الكتاب والسنة ومنها ما فهمه أهل العلم من الكتاب والسنة فنصوا عليه في نصائحهم لطلابهم وفي كتبهم ولا سيما ما كُتب منها في العلم وآداب وأهله.

 

إن التحلي بهذه الآداب هي زين لطالب العلم، ورفعة لدرجته وذكره، وبركة له في عمره ووقته فالسعيد من تحلى بها والمخذول من حرم منها.  وآداب طالب العلم الواجب منها والمستحب لا يمكن حصرها واستيفاؤها في هذا المقام ولكن نكتفي بجملة منها ومن رام التوسع فليرجع إليها في مظانها.

فمن آداب طالب العلم: أن يخلص لله في نيته فلا يطلب العلم الشرعي ووسائله إلا ابتغاء وجه الله تعالى طلبا للثواب وهربا من العقاب ناويا رفع الجهل عن نفسه وعن غيره فهذه هي النية النافعة أما من طلبه لينال به الدنيا والشرف والشهرة ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية فليس له في طلبه إلا التعب والنصب قال صلى الله عليه وسل (إنما الأعمال بالنيات) وقال صلى الله عليه وسلم (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا ، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) وقال حماد بن سلمة محذراً من طلب العلم لغير الله ( من طلب الحديث لغير الله مكر به )

إن معالجة النية واستصلاحها من أصعب الأمور ولكن من صدق مع الله وجاهد نفسه لم يخيبه الله قال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).

ومن آدابه تقوى الله في السر والعلانية, فالتقوى والعلم النافع مرتبطان قال تعالى (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} أي يهبكم علماً ونوراً وبصيرة تفرقون به بين الحق والباطل وبين المصالح والمفاسد وبين خير الخيرين وشر الشرين (ويكفر عنكم سيئاتكم) أي يفتح لكم من أبواب العمل الصالح ما يكون كفارة لسيئاتكم فإن العمل الصالح كفارة للسيئات ما اجتنبت الكبائر (ويغفر لكم) أي يلهمكم الاستغفار والتوبة من ذنوبكم إذا زلت أقدامكم فإن من الذنوب ما لا يكفره إلا التوبة وقال تعالى { والذين اهتدوا زادهم هدى وأتاهم تقواهم} وقال تعالى { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً. وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً. ولهديناهم صراطاً مستقيماً } فدلت الآيات الكريمة على أن التقوى الذي هو العمل بالعلم سبب عظيم في التوفيق للانتفاع به والزيادة فيه والثبات عليه.

أما من تعلم ثم لم يتق الله ولم يعمل بما علمه الله فويل له ثم ويل له إن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة ومنهم رجل عالم ما تعلم وعلَّم إلا لأجل الدنيا وزهرتها, فلم يرد به وجه الله. نسأل الله السلامة والعافية .

ومن لم يعمل بعلمه سلب العلم, ومحقت منه بركته, وارتد على عقبيه وهو على خطر عظيم يقول تعالى { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه }

فهذا مثال سيئ لطالب العلم الذي انسلخ من هدايات علمه فلم يمش على خطاها ولم يستهد بهداها فخسر الدنيا والآخرة .

وللسلف كلمات كثيرة في هذا الباب ومنها قول على " هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل " وقول بعضهم " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم, ومن لم يعمل بما علم سلبه الله علم ما كان يعلم "

وقال ابن مسعود رضي الله عنه ( إني لأحسب العبد ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها ) ويروى أن الشافعي لما جلس بين يدي مالك بن أنس توسم فيه النجابة وقال له " إني أرى الله قد ألقى بين عينيك نوراً من نوره فلا تطفئه بالمعصية "

ومن آداب طالب العلم: توقير معلمه وذلك بحسن الإنصات إليه إذا تكلم وحسن السؤال عما يشكل والدعاء له مكافأة له على معروفه وإحسانه , والصبر على ما قد يكون منه من جفاء أو غلظة واجتناب معاملته بسوء الأدب ومرذول الخلق. وكلما نقص أدب الطالب مع معلمه كلما أثر ذلك نقصاً في انتفاعه به .

 ومن آداب طالب العلم: أن يختار الصحبة الطيبة التي تعينه على تقوى الله ومذاكرة العلم والتي تعينه على التحلي بمكارم الأخلاق ومعاليها وتعينه على الاستقامة والثبات فيذكرونه إذا نسي ويعلمونه إذا جهل ويقومونه إذا مال قال عليه الصلاة والسلام " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " وليحذر من صحبة المتلبسين بالبدع فإنهم يفسدون عليه عقيدته وليحذر من صحبة أهل الشهوات والبطالة والكسل فإنهم يفسدون عليه أخلاقه ويضيعون عليه عمره وأيامه.

ومن آداب طالب العلم: العناية بالوقت فيستغله في طلب العلم حفظاً وفهما ومراجعة فإن العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه وإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً وإذا كان لديه وقت فراغ قضاه فيما يعود عليه بالنفع في دينه أو دنياه. إن  الوقت أعظم الكنوز وأثمنها وما ذهب منه فلا يعود قال تعالى { والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } فأقسم الله بالزمان أن كل إنسان خاسر إلا من اغتنم زمانه بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر عليه .

ومن آداب طالب العلم: عنايته بكتبه ومذكراته لأنه يعلم أنها كتب علم محترمة فلا يمتهنها بعبث أو تقطيع أو رمي في المزابل أو يجعلها مقعداً يجلس عليه لا في أول العام ولا في آخره بل يحافظ عليها وإذا انتهت حاجته منها أعطاها لمن ينتفع بها أو أحرقها ثم دفنها في مكان طاهر لأن كتب العلم كتب محترمة لما فيها من العلم والخير.

ومن آداب طالب العلم: محافظتك على المنافع العامة ومن ذلك المحافظة على مدرستك وما فيها من الأدوات والخدمات التي وفرت لمصلحتك ومصلحة غيرك إنها لو كانت ملكك لما صلح أن تتلفها دون مسوغ لأنه من إضاعة المال والله كره لنا إضاعة المال , فكيف بمن يتلف ما هو منفعة مشتركة له ولغيره من بعده, أيها الطلاب اشكروا الله على ما أنتم فيه في هذه البلاد تدرسون بالمجان في مدارس مكتملة الخدمات والحمد لله. وإن عبثكم بها من كفران النعمة وإن كفران النعم من أسباب زوالها قال تعالى { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولإن كفرتم إن عذابي لشديد }

أقول هذا القول واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

أما بعد:

فإن من آداب طالب العلم ايضاً أن يكون عالي الهمة لا يرضى بالدون ولا بالقليل ولا سيما من أوتي حفظا أو فهما، ومما يزيد في همة الطالب تذكره ما أعده الله للعلماء العاملين، وقراءته لسير السلف الماضين وصحبته لأهل الجد والجلد مع الاستقامة من المعاصرين.

ومن آداب طالب العلم:

أن يكون أحرص ما يكون على لزوم السنة والحذر من البدعة فإن العلم الشرعي إنما يراد به معرفة دين الله ومن سلك طريق البدعة فما عرف الله حق المعرفة ولا عرف دين الله حق المعرفة لأن البدعة ليست مما شرعه الله بل مما ذمه ونهى عنه

إن السلامة من البدع يكون بعد توفيق الله بالتفقه في الدين على أيدي العلماء المعتبرين المعروفين بالرسوخ في علم الكتاب والسنة ولزوم غرزهم.

وليحذر طالب العلم من الدراسة على أهل البدع الداعين إليها ولو أوتوا سعة اطلاع وحسن بيان وكثرة حفظ وشهرة وصيتا فذلك كله لا وزن له إذا قيس بضررهم وخطرهم على الطالب.

ومن آداب طالب العلم:

معرفته وتطبيقه لما أوجب الله عليه من الحقوق لولاة الأمر وذلك بالسمع والطاعة لهم في المعروف وبذل النصيحة لهم وعدم ذكرهم إلا بالخير فإن طالب العلم قدوة لغيره.

ومعرفته وتطبيقه لما أوجب الله عليه من الحقوق للعلماء الربانيين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون من توقيرهم والدعاء لهم والرجوع إليهم وعدم ذكرهم إلا بالجميل. فقد غلب الهوى في هذا الزمان وقل من يعرف حقوق العلماء والأمراء فحصل بسبب ذلك فساد كبير في أمر الدنيا والدين والله المستعان .

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ولا تجعل ما علمتنا وبالاً علينا يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين. 

اللهم آمنا في دورنا واصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون