من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في بيته

خميس, 26/12/2019 - 13:13

 

 

أما بعد:

فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنى والقدوة الكبرى لكل مسلم ومسلمة بأخلاقه يتخلقون وبهديه يهتدون وبسنته يستنون امتثالا لقوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسن لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا) ولقوله صلى الله عليه وسلم (فمن رغب عن سنتي فليس مني) فدينه أحسن الدين وهديه أكمل الهدي وخلقه أعظم الخلق حتى قال فيه ربه (وإنك لعلى خلق عظيم) قال ذلك منوها بشأنه صلى الله عليه وسلم ودعوة  لنا _معاشر المؤمنين_ كي نتاسى به وبأخلاقه العظيمة.

وإن من أعظم جوانب أخلاقه وأجلها أخلاقه في بيته مع أهله وخدمه وذريته فإن البيت هو المحك الحقيقي التي تتجلى فيه أخلاق المرء على حقيقتها حيث يضعف تأثير التصنع والتجمل ولأهمية حسن الخلق في هذا الموضع قال صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)

فهلم إخوة الإيمان إلى استعراض موجز لبعضمظاهر تلك الخيرية مع أهله صلوات الله وسلامه عليه.

إن منها أنه كان حريصا على تعليم أهله العلم النافع حريصا على دعوتهم إلى العمل الصالح امتثالا لقوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) ولقوله تعالى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)

وكان من أثار هذه العناية أن كان أول من اسلم من النساء خاصة أو من الناس كافة زوجته خديجة رضي الله عنها فدل ذلك على مبادرته إياها بدعوتها إلى الخير فهي أولى من غيرها بحرصه وعنايته.

وكان من أثارها أن أصبحت عائشة رضي الله عنها أعلم نساء هذه الأمة  فقد كانت تسأله كثيراً عما يشكل عليها وتراجعه فيجيبها ويحل لها ما انبهم عليها لا يتضجر ولا يتذمر

كان يحثهن على نوافل الطاعات والقربات فضلا عن عزائمها وفرائضها ففي صحيح البخاري أنه استيقظ ليلة فقال ( سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتنة ماذا أنزل من الخزائن من يوقظ صواحب الحجرات ؟ يارب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ) يعني من يوقظ نساءه وفي رواية خارج الصحيح أنه قال ايقظوا صواحب الحجرات. يريد بذلك أن يقمن فيصلين من الليل حتى تكون نجاة لهن من الفتن وأمانا من العذاب ورفعة للدرجات.

وكان لا يقر أهل بيته على معصية لله بل يغضب لله  ويتمعر وجهه في ذاته ويبادر إلى إنكاره ومن ذلك أن مولاه وحِبَّه وابن حِبِّه أسامةَ بن زيد أتاه يشفع عنده في حد من حدود الله وجب على امرأة شريفة مخزومية فغضب أشد ألغضب وقال أتشفع في حد من حدود الله ..

وقدم من سفر فوجد عائشة قد زينت بيتها بستارة فيها تصاوير لذوات أرواح فغضب وأبى أن يدخل حتى انزلت الستارة وشقتها نصفين وجعلتها وسادتين يُجلس عليها.

وكان في بيته يقوم بخدمة نفسه عليه الصلاة والسلام إراحة لاهله وتخفيفا عنهم ومشاركة لهم فقد سئلت عائشة عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فقالت كان يكون في مهنة أهله أي في خدمتهم ثم فسرت ذلك بأنه كان يحلب شاته ويخيط ثوبه ويرقع دلوه ويخصف نعله ولا يزال كذلك حتى تحضر الصلاة فيخرج إليها.

وكان سمحا سهل الخلق حتى إن أنسا خدمه عشر سنين فما عاتبه عليه الصلاة والسلام على شيء قصر فيه ولا بكلمة أف التي هي أيسر كلمة وأخفها في الدلالة على التضجر.

وكان أمر الطعام في نفسه ليس بذاك الشي الكبير فلم يكن يعيب طعاما قط إن أعجبه أكل وإن لم يعجبه ترك وإن وجد أكل وإن لم يجد ربما صام.

وكان عظيم الحلم والصبر مع أهله لا سيما فيما يتعلق بامر الغيرة بين نسائه يعذرهن ويغض الطرف في ذلك عنهن.

صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه وسلم تسليما

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر لله على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم تسليما أما بعد:

فمن مكارم أخلاقه وحسن عشرته وكمال خيريته مع أهله سواء زوجاته أو بناته أو أبناؤه أو خدمه أنه كان محترما لهم عطوفا عليهم حنونا بهم معتنيا بشؤونه مع كثرة أشغاله وجسيم مسؤولياته.

فكان يطوف على نسائه كل يوم ثم يخص الليل لمن تكون نوبتها وربما اجتمعن في بيت التي هو عندها إذا تعذر عليه الطواف بهن والمرور عليهم ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها متحريا للعدل بينهن فكان إذا أراد سفرا لم يختر منهن من يشاء وإنما يضرب بينهن القرعة فمن خرجت عليها خرج بها معه.

ولما رزق بإبراهيم من أمته ماريه القبطية وضعه عند أم سيف لترضعه وكانت امرأة قين يعمل في الحديد فكان صلى الله عليه وسلم ارحم ما يكون من الآباء بالابناء فكان يأتيه في عوالي المدينة يزوره ومعه بعض أصحابه حتى مات في صغره.

وكان شديد العطف على بناته فكان نعم الأب لهن أدبهن ورباهن وزوجهن خيار قومهن وأقر الله عينه بإسلامهن وكان شديد العطف والشفقة على فاطمة رضي الله عنها خاصة فكان إذا دخلت عليه قام لها ورحب بها وقبلها وأجلسها بجواره وذلك لفضلها من جهة ومراعاة لها _ والله أعلم _ فقد أصيبت بفقد أمها وجميع إخوتها وأخواتها.

إخوة الإيمان هذه بعض جوانب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في بيته مع أهله وأولاده وخدمه فلنتأس به قدر الاستطاعة لتكون بيوتنا بيوت أمن وطمـأنينة وراحة وسكينة تجذب افرادها إلى وارف ظلالها وعبق أريجها وجنة أرجائها لا تدعوهم إلى الهروب من جحيمها والشرود عن قسوتها وسعيرها إن البيوت اليوم إلا ما رحم الله تشتكي العنف والبطش والجفاء والبعد القلبي بين أفرادها ولا شك أن هذه الحال البائسة هي  نتيجة للتقصير في شيء من أداب الإسلام وأخلاقه في الشأن الأسري.